الباركنسون.. أو الشلل الرعاش

د. زهير القاوي استشاري الأمراض العصبية قد يبدو للكثيرين أن مرض الباركنسون هو حالة نادرة أضفى عليها الاسم الأعجمي نوعا من الغموض لا يستطيع فك ألغازه إلا الأطباء، إلا أن الحقيقة أنه من النادر أن لا يصادف الشخص العادي أحد المصابين بمرض الباركنسون في حياته اليومية. ولو تخيلنا الصورة الذهنية التي نحملها عن أحد المسنين وقد احدودب منه الظهر وثقلت الحركة لما كنا بعيدين عن صورة المرض نفسه، لكن ليس كل مسن مصابا بمرض الباركنسون، كما أنه ليس كل مصاب بالمرض مسنا. باستطاعتنا أن نأخذ مثالا عن أحد الشخصيات المشهورة وهو المصارع محمد علي كلاي الذي أصيب بمرض الباركنسون في سن مبكرة نسبيا. يمثل مرض الباركنسون بالنسبة للمصاب هاجس الخوف من الانحناء وفقدان الحركة، بينما يمثل للمهتمين بعلوم الجهاز العصبي وكيف يعمل مدخلا تاريخيا إلى معلومات غزيرة عن بعض أوجه عمل الجهاز العصبي ونقل المعلومات والسيطرة على الجهاز الحركي وما إلى ذلك. لمحة تاريخية تعود تسمية المرض إلى طبيب إنجليزي وصفه لأول مرة عام 1817 وأعطاه اسم الشلل الرعاش، وذلك لعجز المصاب عن الحركة، بينما سيظهر لنا فيما بعد أن هذا الشلل ليس شللا بمعنى نقص القوة، وإنما هو العجز عن الحركة بسبب تيبس العضلات، وهو ما يسمى بالصمل العضلي. ولم تكن هناك أدوية فعالة لهذا المرض حتى بعد انقضاء نصف القرن الماضي، لكن بالتدريج زادت معرفتنا عن كيمياء الجهاز العصبي، وأدى ذلك إلى اكتشاف أدوية جديدة. بدأت ملاحظة العلماء لظاهرة غريبة في منتصف القرن الماضي أن من يعالجون بمهدئات أو خافضات ضغط بأدوية مشتقة من نبات الراوليفا والتي تسمى بالزربين كانت تبدو على كثير منهم أعراض تشبه أعراض مرض الباركنسون، ولكنها كانت مؤقتة تزول مع إيقاف العلاج. ثم أتت المهدئات الأقوى من نمط الكلوربرومازين لتسبب أعراض تيبس أشد وإبطاء أكثر في الحركة لدى علاج مرضى الاضطرابات النفسية، وأصبح من المعتاد في المصحات النفسية رؤية الكثير من المرضى تظهر عليهم أعراض مشابهة لأعراض باركنسون لدى تناولهم هذه العلاجات. ثبت فيما بعد أن هذه الخاصية التي تجعل من هذه المهدئات فعالة في علاج الاضطرابات النفسية كالشيزوفرانيا هي ذاتها التي تسبب الأعراض الجانبية من بطء الحركة والتيبس وذلك بالتأثير على جزأين مختلفين من الدماغ. إن خاصية حصار (سد) المنافذ التي تدخل منها مادة الروبامين إلى خلايا معينة عند استخدام هذه الأدوية كانت هي الأساس في التأثير العلاجي والتأثير الجانبي غير المرغوب فيه، فهذه الأدوية التي تحصر الروبامين في مراكز الدماغ المسؤولة عن المزاج والحالة النفسية والانفعالية، فتؤدي إلى تحسن أعراض الهياج والهلوسة المرافقة للشيزوفرانيا، بينما يؤدي حصار الروبامين في مراكز الحركة الأولية (مثل حركة المشي أو التوازن) في عمق الدماغ إلى الجمود وتصلب عضلات الجسم وبطء الحركة. ومن أوجه التشابه بين هذه الأعراض ومرض الباركنسون استنتج العلماء أنه لا بد من أن تكون مادة الروبامين علاجا ناجعا لأعراض مرض باركنسون. ولكن التحدي الأكبر هو كيف تصل هذه المادة إلى مراكز الدماغ لاستخدامها، إذ إن مرورها في الجسم يعرضها للتفكك من قبل الكبد وبالتالي تفقد تأثيرها، وبعد تجارب كثيرة توصل العلماء إلى أن إعطاء مركب سابق على الروبامين يحوله الجسم إلى دوبامين يمكن أن يفي بالغرض، وخصوصا إذا ما مزج ذلك بمادة أخرى تضلل وسائل التفكك في الكبد عن العبث بتلك المادة، وبالتالي ظهرت الأدوية الفعالة القائمة أساسا على مزج مادة (إل ـ دوبا) مع أدوية حافظة لها وشعر المريض بتحسن كبير في حالته ولكن ذلك كان فقط إلى حين. إن التفكير المبسط في إعطاء الخلايا الحركية التي توقفت عن إفراز الروبامين مادة تزيد من قدرتها على تصنيع تلك المادة وإفرازها أثبت أن المفاجآت كثيرة، وأن حل حلقة واحدة في المشكلة لا يعني استئصال المشكلة بالكلية، ولعل هنالك في الحياة أسئلة عديدة على ذلك. ولكن لماذا تتوقف خلايا الحركة عن تصنيع الروبامين وإفرازه؟ كان من المعتقد السائد أن شيخوخة هذه الخلايا هي السبب، ولكن لماذا تحدث الشيخوخة لدى بعض المرضى مبكرا في سن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين كما يحدث لدى بعض حالات مرض باركنسون. لا بد أن هنالك تأثيرا مضاعفا لهذه الخلايا يتلقفه الجسم من الوسط الذي يعيش فيه. ظل هذا الأمر لغزا محيرا إلى أن لاحظ عدد من الأطباء أن هنالك مجموعة من الشباب الذين أصيبوا بمرض باركنسون بشكل مفاجئ وفي سن مبكرة، والأهم من ذلك أنهم كانوا من منطقة واحدة في مدينة سان فرانسيسكو، وأن كثيرا منهم كانوا من مدمني حقن المخدرات، وبعد تحقيق أشبه بالقصص البوليسية توصل الباحثون إلى وجود مادة استعملها كل هؤلاء حقنا بالوريد هي (MPTP) حين حقنت في حيوانات المختبرات أدت بالتحديد إلى إتلاف الخلايا المسؤولة عن الحركة والتي تضمر بشكل طبيعي لدى مرضى باركنسون، وبالتالي توصل الأطباء إلى إحداث داء باركنسون تجريبيا لدى القردة في المختبر، وأصبح هناك مرض يشابه المرض الإنساني لدى حيوانات التجربة وهو ما يسهل اختبار الأدوية الحديثة وأدوية المرض البشري. نعود الآن إلى المفاجأة السارة التي لاحظها الأطباء وذلك بأن العلاج بمادة (إل ـ دوبا) يحسن أعراض المرض لكنه لا يقضي على أسبابه، إذ يستمر فقدان خلايا الحركة بالازدياد وهو ما يؤدي إلى ضعف تأثير الدواء أو إلى اضطراب فائدته وقصر الفترة الزمنية التي يعطي فيها تأثيره المرغوب. فلم تكن تلك المادة إذا إلا علاجا للأعراض وأنها مجرد مسكن للألم. حتى فترة زمنية معينة، بل جنح الكثير من الباحثين إلى القول بأن العلاج قد يكون عاملا في تسريع وتيرة المرض بإجهاد الخلايا الحركية وكأنما هو حصان منهك في نهاية السباق قد نستطيع حثه على الجري للمسافة المتبقية لكننا أيضا قد نؤدي إلى هلاكه في نهاية الشوط. فإذا ما عدنا إلى المشكلة الأساسية في مرض باركنسون فإننا سنلاحظ أن الحركة لم تفقد، وإنما هناك عجز في ليونتها وفي تطويعها لحاجة الجسم. فالسيطرة على الجهاز الحركي عبارة عن توازن من عوامل كثيرة ومراكز متعددة، منها ما يسيطر على الحركات اللاإرادية، ومنها ما يعطي الخلفية الضرورية من وضعية الجسم لضمان عدم السقوط في أثناء المشي أو أداء الحركات المختلفة، ومنها ما يضمن تناسق الحركات. إن خلايا الحركة التي تتلف في مرض باركنسون والمسؤولة عن هذه الأعراض موجودة في منطقة صغيرة من جذع الدماغ تسمى بالمادة السوداء نظرا للونها القاتم. تؤدي هذه الخلايا بإفرازاتها من الروبامين دورا معينا في موازنة مراكز أخرى، وفقدان هذا التوازن يؤدي إلى الرجفان والصمل العضلي. ومن هنا ظهرت أساليب جديدة في معالجة من وصلوا إلى نهاية الشوط من العلاج بالعقاقير من (إل ـ دوبا) هذه الأساليب تعتمد على إتلاف تلك المراكز التي عجزت خلايا المادة السوداء التالفة عن موازنة عملها، وبالتالي يعود الجهاز العصبي إلى نقطة التوازن أو التعادل السلبي. تتم عملية الإتلاف هذه بإدخال إبر دقيقة وسط الدماغ وتوجه عن طريق التصوير المغناطيسي وبوجود خرائط توجيهية معينة بحيث يصل رأس الإبرة إلى المكان المطلوب في المنطقة خلف المهاد ثم يصدر حرارة تؤدي إلى كي منطقة صغيرة 1 ملم إلى 2 ملم، يقوم بعده المريض وكأنما نشط من عقال. يبقى أن تجتاز هذه الطريقة اختبار الزمن وينظر إلى تأثيراتها على المدى البعيد كما حدث مع عقار (إل ـ دوبا). وكبديل لعملية الكي المؤدية إلى الإتلاف يمكن إجراء تنبيه مستمر عن طريق بطارية تزرع تحت الجلد، يؤدي هذا التنبيه بتواتر معين إلى تعطيل عمل هذه المنطقة مؤقتا بدلا من إتلافها، وبالتالي يحفظ خط الرجعة أنه يمكن إيقاف هذا التأثير في أي وقت عن طريق إطفاء الجهاز. ولا يزال العلماء في صراع متواصل مع هذا المرض أسوة ببقية الأمراض، ويبدو أن البحث العلمي يقفز في كل فترة قفزة تؤدي إلى تجاوز حاجز معين، لكن كم هناك من الحواجز الأخرى، هذا أمر لا يعلمه إلا الله وفوق كل ذي علم عليم.