قانون التحرش

بذلت جهداً عقلياً لأفهم لماذا يرفض أي إنسان سوي إصدار قانون يمنع التحرش بالنساء. تبين لي أن المسألة ليست في القانون بل في المنطلق الأساسي الذي تقوم عليه النظرة الكلية للمرأة. إقرار القانون وتطبيقه سيجعل المرأة في مأمن أكثر ليس فقط من الاعتداء فهذا لا يحصل في بلادنا ولكنه سيحميها من الكلام البذيء والتعليقات المهدرة للكرامة الأمر الذي سيرفع من احترامها لنفسها ومن وعيها بذاتها.

حمايتها على هذا المستوى سيشجعها على الخروج من البيت أكثر. تعريف البيت في نظر الرافضين لقانون التحرش يختلف عن تعريف الآخرين. تعريفهم للبيت يميز بين البيت بالنسبة للمرأة والبيت بالنسبة للرجل. البيت بالنسبة للرجل هو مأوى يعود إليه من عالمه الحقيقي الذي خلق من أجله. عالم العمل والكد والتواصل الإنساني، أما البيت بالنسبة للمرأة حسب وجهة نظرهم هو عالمها الوحيد الذي خلقت من أجل البقاء فيه لا تبرحه إلا عند الضرورة القصوى. خروجها منه يعد حالة شاذة. التحرش حسب تعريف البيت ليس شراً بل نتيجة.

إزالة سبب التحرش سيزيل التحرش من جذوره. سن قانون للتحرش يعني الاعتراف بحق المرأة في الخروج من بيتها والعمل ومشاركة الرجل في الإنتاج.. الخ. إصدار قانون من هذا النوع سيؤدي إلى تقويض فلسفة قرار المرأة في بيتها. هذا القانون لا يحمي المرأة من الاعتداءات المرفوضة من الطرفين ولكنه سيشرعن حضورها في الحياة العامة لتصبح مثل الرجل والأخطر من ذلك سيمنحها هذا القانون حق حماية نفسها باتخاذ قرار تعريف الاعتداء عليها. هذا سيقود إلى الخطر الأعظم بالنسبة لهم وهو الاعتراف بـ(فردية المرأة).

عند مراجعة القوانين والأنظمة التي سنتها الصحوة لتنظيم حياة المرأة وتحديد حقوقها لن تجد أي مراعاة للفروق الفردية بين امرأة وأخرى. لا توجد امرأة متعلمة وامرأة جاهلة، لا توجد امرأة مراهقة وامرأة ناضجة، لا توجد امرأة أميركية وامرأة سعودية، لا توجد امرأة تحب الأناقة وامرأة لا تهتم بها.

ما ينطبق على أستاذة الجامعة يجب أن ينطبق على المرأة الأمية، ما ينطبق على المرأة الشابة ينطبق على المرأة المسنة، ما ينطبق على المرأة الثرية ينطبق على المرأة الفقيرة. المتحرش هو الجندي المتطوع الذي يدفع المرأة للقرار في بيتها أكثر من أي قوة أخرى. إلغاء دور هذا الجندي سوف يفاقم من خروج المرأة إلى الحياة العامة ويوسع خياراتها فتصبح كل امرأة مختلفة عن الأخرى. فينتهي الأمر إلى كارثة المساواة التي بذلوا أربعين سنة لا شغل لهم سوى محاربتها.

بقلم: عبدالله بن بخيت - الرياض