العاصوف النسخة المطورة من طاش

انفرد المسلسل التلفزيوني السعودي عن غيره بأن يأتي في صورة استكتشات، كل حلقة مختلفة عن الحلقة الأخرى، كل حلقة تعالج قضية، البطل في كل مرة يأتي في كاركتر مختلف، حلقة تتحدث عن المرور وأخرى تعالج الطلاق والثالثة تعالج جشع التجار، ظاهرة غير مسبوقة في الدراما التلفزيونية العالمية.

كلمة مسلسل تعني قصة في حلقات، شخصياتها ثابتة، قد يأتي المسلسل في قصة رئيسية متصاعدة وقصص جانبية ككثير من الأعمال التلفزيونية التركية والمصرية والسورية إلخ أو يأتي في قصص مختلفة تلم بالشخصيات الأساسية الثابتة كالمسلسل الكويتي الشهير "درب الزلق" أو مسلسل "الأصدقاء" الأميركي.

لا أتذكر هل بدأت ظاهرة السكتشات مع "طاش ما طاش" ولكن المؤكد أن نجاح "طاش" وجماهيريته كانت السبب في انتشار الظاهرة وتكريسها، لم تكن الجماهير تنتظر من "طاش" أن يقدم متعة وفناً وتجربة إنسانية وإنما ينتظرونه كما ينتظرون زاوية صحفية، حلقة تناقش قضية المطاوعة وأخرى تناقش قضية المرور وثالثة جشع التجار، في كل حلقة نشاهد شخصية مختلفة، مرة سوداني وأخرى حجازي وثالثة شايب إلخ.

التجادل حول مسلسل "العاصوف" ثمرة هذه الظاهرة، السؤال الوحيد المطروح حول هذا المسلسل هل ما يقدمه المسلسل يمثل مجتمعنا أم لا يمثل مجتمعنا، المدافعون عن المسلسل يقولون إن ما جاء في المسلسل يمثل مجتمعنا ويطالبون بالاعتراف أن مجتمعنا لا يختلف عن المجتمعات الأخرى والمعارضون للمسلسل يقولون إن مجتمعنا نقي وأن ما قدمه المسلسل من صور ولوحات حالة نادرة مسيئة، مع ملاحظة أن معظم المتجادلين لم يسبق لي أن قرأت لهم أي نقد أو اهتمام بالفن الدرامي.

لم يتحدث أحد عن الدراما في المسلسل، لم يتحدث أحد عن الإخراج، عن أداء الفنانين إلخ، أصبح النجاح في المسلسل السعودي يعود إلى موضوعه لا أطروحاته الفنية.

من الصعب أن تطلق على "طاش" عملاً فنياً ومع ذلك أصبح المرجعية النقدية للفن الدرامي في المملكة. رسخ في أذهان الناس أن الدراما التلفزيونية عمل يعالج الظواهر في المجتمع "هادف"، زاوية صحفية ترجمت بالكاميرا، كثير من حلقات "طاش" كانت رديئة الإخراج والنص وكان أداء الفنانين سيئاً ومع ذلك حظيت بالمديح والإطراء.. أعمال كثيرة في "طاش" أهملت لأنها قدمت فناً جيداً بعيداً عن التجاذب الثقافي وبعيداً أيضاً عن النقد الصحفي للخدمات.

من جنايات "طاش ما طاش" الكبرى على الدراما في المملكة أن كانت الكوميديا والإفيهات فيه تعتمد على ميول المشاهد الأيديولوجية وقضاياه، إذا كانت النكتة تسخر من المطاوعة أو من جهة حكومية خدمية أضحكت خصوم المطاوعة أو المتضررين من الخدمة مهما كانت سخيفة وساذجة.

الحوار المحتدم اليوم حول "العاصوف" هو في الواقع حوار حول "طاش ما طاش".

بقلم: عبدالله بن بخيت - الرياض