استعد لمعاناتك

من الطبيعي أن نقلق ونتوتر بين الحين والآخر، ولكن من الخطير أن يسيطر القلق والتوتر على حياتنا بشكل كامل.. حين يتحولان إلى عـادة نفسية وطبيعة شخصية، تظهر نتائجهما السلبية على صحتك الجسدية وعلاقاتك الاجتماعية..

لا أكاد أحصي عدد الدراسات التي تثبت علاقة التوتر (مثلاً) بالسمنة، والسكري، والإرهاق، وقرحة المعدة، والقولون العصبي، والإمساك المزمن، وتساقط الشعر، وضعف الأداء الجنسي..

ولأن ما تمارسه تصبح ماهراً فـيه، ستصبح بمرور العمر ماهراً في القلق من أمور تافهة وبسيطة لا يشاهدها أو يحمل همها معظم الناس.. يصبح جسدك متحفزاً ومحملاً بشتى أنواع الهرمونات التي تهيئه لمواجهة مخاطر وهمية وغير حقيقية..

يجب أن تفرق بين الأسباب الحقيقية للتوتر والقلق (كمرض أحد الأبناء) وبين الأسباب الافتراضية والوهمية التي قـد لا تحصل أبداً (كاحتمال طردك من وظيفتك الحالية).. حين تجيد التفريق بين الاثنين ستكتشف أن المجموعة الأولى قليلة بطبيعتها، في حين لا تكاد المجموعة الثانية تنتهي أو تملك سقفاً معيناً..

وبطبيعة الحال يتفاوت الناس في طريقة تعاملهم واستعدادهم لمسببات القلق والتوتر.. يختلفون في ردود أفعالهم وكيفية استجابتهم للمصائب الحقيقية (في حين ينهار البعض، يتعامل معها البعض الآخر بروح رياضية).. وهناك دراسة فرنسية حاولت تحديد أعظم المصائب تم فيها سؤال (24000 شخص) عن أعظم مصيبة مرت بحياته.. وبعد فرز النتائج اتضح أن البطالة وفقدان الوظيفة أتت في المرتبة الأولى، يليها الطلاق، ثم موت شخص قريب كأعظم مصيبة يمكن أن يبتلى بها الإنسان.. وحتى قبل تنظيم هذه الدراسة كان الخبراء يعرفون أن خسارة الوظيفة تحتل مرتبة متقدمة في سلم الكوارث الشخصية، ولكنهم لم يتصورا أبداً أن تتقدم على خراب البيوت أو خسارة أحد الأبناء..

غير أن هذا الترتيب (الفرنسي) يؤكد من جهة أخرى دور التربية والثقافة في رفع أو خفض مستوى القلق تجاه بعض العوامل.. فـالثقافات الغربية عموماً (كما يتضح من هذه الدراسة) تحمل هماً أكبر للمال وقدراً أكبر للشراكة الزوجية؛ وفي المقابل لا يمكن للمال أن يتقدم على وفاة الابـن أو انحراف البنت في ثقافتنا العربية، ناهيك عن الطلاق الذي أصبح لدى البعض مناسبة تستحق الاحتفال!!

.. بقي أن أشير إلى إمكانية التخفيف من مضار القلق والتوتر بنسبة كبيرة من خلال تبني ثلاثة تقنيات نفسية:

الأولى: التوكل على الله والتسليم بما قـدر لك (بكل صدق وقناعة داخلية)..

والثانية: عدم التفكير بأسباب القلق الافتراضية والوهمية (وتجاهلها بشكل كامل)..

والثالثة: الاستعداد نفسياً وذهنياً للمسببات الحقيقية التي قــد تحدث مستقبلاً.. فالحياة معاناة وما عليك سوى الاستعداد لمعاناتك.

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض