الساكنون تحت الأرض

دول كثيرة اضطرت لبناء مدن كاملة تحت الأرض .. تفعل ذلك إما بسبب الازدحام وقلة المساحة أو بسبب الظروف المناخية المتطرفة .. ففي سيبيريا مثلا (حيث تنخفض درجة الحرارة لأقل من خمسين درجة تحت الصفر) تستقر معظم المنشآت في مدن مثل ياكوتسك ونوريلسك تحت الأرض طلبا للدفء..

ولنفس السبب تتميز جزيرة هوكايدو (في أقصى الشمال الياباني) بوجود معظم مدنها ومنشآتها تحت الأرض ــ لدرجة لا يرى الزائر غير المداخن ومداخل الأبنية فوقها. أما في أستراليا (وكثير من مدن المناجم في نيفادا وأريزونا) فتوجد مدينة كاملة تحت الأرض تدعى كوبربيدي.. وبدأ إنشاء هذه المدينة عام 1915 حين عمد عمال المناجم (الذين مايزالون يعملون على استخراج حجر الأوبال الكريم) إلى بناء بيوتهم تحت الأرض هرباً من الحرارة المرتفعة التي تصل أحيانا إلى 51 درجة مئوية...‏

ومن المعروف أن المنشآت التحت أرضية لها مميزات تعوض التكاليف الكبيرة لإنشائها ؛ فهناك مثلا الاقتصاد في الطاقة بسبب العزل الطبيعي للتربة، والاستفادة من الحرارة الداخلية لتوليد الطاقة الكهربائية، والمقاومة الكبيرة للزلازل (وهي مطلب حيوي للدول التي تعيش فوق المناطق الجيولوجية المضطربة) والأهم من هذا كله توفير أكبر مساحة يمكن استغلالها فوق الأرض !

ورغـم أن إنشاء المرافق البلدية تحت الأرض فكرة ليست جديدة تماما (كونها موجودة بشكل أسواق ومبان وخطوط حديدية في الدول المتقدمة) تحولت دون قصد لمدن حقيقية مدفونة بفضل تكاملها وتوسعها المستمرين !

ورغـم أن اليابان من أكثر الدول امتلاكا للمنشآت تحت الأرضية، بدأت قبل غيرها في بـناء مدن جديدة بالكامل تحت مدنها الحالية.. ومن المعروف أن مساحة اليابان ككل لا تزيد على مساحة العراق ولكن بعدد سكان يتجاوز الــ125 مليون نسمة. ولهذا السبب تعتمد كثيرا على نسف الجبال وبناء المنشآت العائمة فوق البحر (مثل مطار كانساي العائم) واستعمال النفايات لدفـن البحر وبناء ضواحٍ جديدة (كما حصل في منطقة أودايبا في خليج طوكيو)!

ورغم ان اليابانيين كانوا السباقين بالفعل إلى انشاء المرافق المدفونة والمساكن العائمة اتجهوا منذ عقد الثمانينات إلى إنشاء مدن جديدة ضخمة تحت المناطق الأشد ازدحاما.. وخلال العقدين الماضيين نجحوا في إنشاء مراكز حضرية متكاملة على اعماق كبيرة.. واليوم تملك اليابان ضواحي تجارية متكاملة تستقر على عمق خمسين مترا وتتجاوز مساحتها الاجمالية الفاتيكان بـمـئتي ضعـف !!

... ليس لدي أدنى شك أن دولا صغيرة ومزدحمة (مثل سنغافورة وهونج كونج وموناكو) لن تجد مستقبلا غير بناء مدن تعوم فوق البحر، أو تنزل عدة طوابق تحت الأرض!

بقلم: فهد عامر الأحمدي -  الرياض