مراسي التنمية الوطنية..

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد حدد بدائله الصحيحة من خلال قراءته المتجانسة تجاه تطور المجتمع وخروجه من القرية، والحارة الصغيرة، ودروس الكتاتيب وعالم ساكن غير متحرك، إلى مجتمع شاب يتطلع إلى ما بعد الحداثة، والثورة الصناعية الرابعة التي تجتاج عالم اليوم بتسارع تقنياتها وطي الأزمنة بما يفوق أي تطور قادته الأجيال الماضية..

المخاوف، أو التخويف الذي كان حبساً هائلا بيننا في اكتساب المعرفة ظل عنواناً لرفض التغريب، وهذه النقطة بالذات لم تشرح لنا الفصل بين الثقافة المستوردة والعلم بتقنياته المتعددة، لنعرف ماهية الحدود بينهما..

فإذا كانت الحداثة منتجا صناعيا، فكل ما نكتنزه في مستشفياتنا ومنازلنا من ساعة اليد، إلى الهاتف المحمول، ومن السيارة إلى الكمبيوتر، كلها مستوردات علمية نستعملها ولا نبني مثيلاً لها، فمن هنا جاءت حبوس المعرفة، ومأزق التفسير، أي لا يمكن الجزم بأن بناء عالم معرفي وصناعي، وتجاري، لابد أن يدخل معه ثقافة مستوردة، بدليل أن المجتمعات الشرقية الآسيوية الناهظة دخلت عالم المنافسة في جميع الميادين دون أن تغير ثقافاتها وموروثاتها وهوياتها، حتى أن موضوع انتقال الحضارة الأوروبية كآخر منتج بشري لا تحمل بصمة قارتها أمام تعدد الحضارات الوليدة بكل بقاع المعمورة..

الآن تقوم الدولة بإنشاء منظومة عمل متطور، لا يستسلم للتقاليد القاتلة، ولا ينزع الموروث أو العقيدة، لكن المشروع يتماشى مع التحولات الكبرى لنكون جزءا من نسق عالمي في تطوير مهاراتنا وتنمية مجتمعنا بما يحولنا من شعب ريعي يعتمد على النفط، إلى آخر منتج ومتعدد النشاطات، وقد توفرت لهذه الخطط مجتمعاً شاباً، ثروات طبيعية نفطية، ومعدنية، ومستقبلاً سياحياً دينياً ومدنياً، وتعليماً تربوياً وفنياً يعاد تطويره لمقابلة تحديات المستقبل، ولعل خطوات إستراتيجيات (2030) معطى أساسي لرحلة جديدة لم تحدث في الماضي، وهذا تميز خلق التفاؤل مقروناً بـ«التحدي، والاستجابة» وفق مصطلح (أرنولد توينبي) ويعني لنا ذلك، أن بيئة جديدة تنشأ وتتطور باستغلال اللحظة المواتية، أي الزمان بتداعياته في المنطقة العربية وخارجها، والمكان، أي تغيير الجغرافيا الوطنية إلى حقل عمل استثماري بكل تنوعاته، الصحراوية، والبحرية، والجبلية التي لم نكتشف إمكاناتها إلا بعد دراسات تناولت قيمتها الجديدة لتكون مرسى التنمية لحظة انبثاق (نيوم) التي تعد مشروع القرن بتنوع أهدافه وصنع القدرة التنافسية مع العالم في الطاقة والمياه والتقنيات المعاصرة وغيرها مما يعد نقلة جوهرية ليس بإعادة صياغات جديدة للاقتصاد وتنمية المجتمع، وإنما بهيكلة واقعنا العام أي الخروج من دائرة العالم الثالث إلى ما بعده لتجعل انتقالنا مقروناً بإرادة صلبة ترى المستقبل بآفاقه البعيدة، لا التفسير أحادي التفكير الذي ظل ممانعاً عن أي تطور، لنهدر ثلث قرن من عمر وطننا بثلاث خطوات إلى الخلف، وخطوة واحدة للأمام!!.

بقلم: يوسف الكويليت - الرياض