حتى لا يعود الفساد.

مرَّ على تاريخ العرب الحديث مثالان من المتغيرات الجذرية، أحدهما أن يكون التغيير من أسفل إلى أعلى مثلما حدث فيما يطلق عليه بالربيع العربي في بعض الدول العربية، أما الآخر فقد كان ما أطلقت عليه بعض دول العسكرتاريا العربية بالحركات التصحيحية.

لم تنجح الثورات الشعبية إلى الآن في وضع بلد عربي في مساره الصحيح، لكن دومًا ما يأخذ التغيير الجذري الفوضوي طورًا من الزمن من أجل أن يصل إلى مرحلة التوازن والنضوج نتيجة لعدم اتزان العقل الثائر والغاضب من كل شيء. وقد تتحول الدولة من خلال هذا العقل إلى كائن قادر على التطور؛ وبالتالي تحقيق مفاهيم العدالة والشفافية في نظام الدولة السياسي والاقتصادي. وقد تفشل وتدخل طورًا آخر من الاستبداد والفساد..

بينما تكاد تتفق مختلف الآراء في أن الحركات التصحيحية لم تنجح في دول العسكر العربية من أجل تغيير مفاهيم الفساد وإعادة بناء القيم في المجتمع؛ فقد كان الغرض منها سياسيًّا خالصًا؛ ولهذا السبب لم تتوقف ثقافة الفساد في تلك المجتمعات بعد الانتهاء من التصحيح المزعوم؛ وذلك ما يدعو إلى التأمل من أجل الاستفادة من تلك التجارب.
في بداية العام كان على طاولة مجلس الشورى مقترح «نظام منع الكسب غير المشروع»، وتقديم إقرار للذمة المالية من قِبل من يتولى المسؤولية الحكومية. ويشمل النظام إلزام الوزراء، ونوابهم، وشاغلي المرتبة الممتازة، والقضاة، وكتّاب العدل، وأمناء المناطق، ورؤساء البلديات، والسفراء، ورؤساء المؤسسات الرسمية العامة المدنية والعسكرية، ومديريها، وموظفي الدولة من شاغلي المرتبة الثالثة عشرة فما فوق.

يُعتبر إقرار هذا النظام وتطبيقه من قِبل هيئة عليا محايدة بمنزلة الضمان لهذا الحراك الضخم والإصلاحي في المجتمع السعودي، وسيكون فيه ضمان تام لاستمرار التحول الوطني، ووصوله إلى أهدافه بدون هدر للمال العام؛ وذلك من أجل أن نغرد خارج سرب التجارب العربية الفاشلة في الإصلاح؛ وذلك لأن ما يحدث سيكون محطة تحول كبرى، ليس فقط في مستقبل البلاد، ولكن في إعادة بناء القيم والأخلاق في المجتمع.

عند تفشي الفساد في المجتمع تتطور معه قيم خاصة من أجل حماية رموزه، مهمتها تقديم التبريرات والعلل لجمع الثروات الضخمة بأي وسيلة كانت من أموال الدولة، ومن مهامها منح تلك الشخصيات وجاهات اجتماعية جديدة، وعادة ما تصاحب عمليات التبييض - إن صح التعبير - أعمال للخير، مثل بناء المساجد ودعم الجمعيات الخيرية ودعم المجاهدين.

لهذه الأسباب تحرص الدولة - أعزها الله - إلى ضمان استمرار هذا الحراك الإصلاحي الضخم في المستقبل. ولو نجحت الدولة في رسم خارطة طريق لمستقبل بدون فساد سيصاحبها وضع القوانين والضمانات من أجل استمرار هذا النهج. وبإذن الله سنكون في المستقبل القريب جدًّا في موضع سياسي واقتصادي قوي، وسنخرج بجدارة وبلا عودة من منظومة الفشل العربي.

كما فهمت من الأخبار الموثقة إعلاميًّا فإن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد رفعت سابقًا للمقام السامي مشروع نظام متكامل بعنوان «مشروع النظام الجزائي للإثراء غير المشروع»؛ وهو ما يعني أننا نمر بأفضل نموذج للإصلاح؛ فخطوات الانتقال من مرحلة إلى أخرى جارية بالفعل، وستكون أكثر انضباطية ونجاحًا عندما تكون مواجهة الفساد من أعلى إلى أسفل..

عند تطبيق هذا النظام في مستقبل الأيام سيتم تعزيز مبادئ النزاهة والشفافية بين أفراد المجتمع، وسيحمي المال العام، وستختفي ظاهرة تعثر بعض المشروعات أو فساد تنفيذها، وقد يختفي معها استثمار المنصب والنفوذ من أجل المنافع الشخصية.. وسيكون هذا النهج بمنزلة الطريق السريع والأمثل للانتقال في اتجاه مراحل متقدمة في سلالم الشفافية ومحاربة الفساد الإداري والمالي على مستوى العالم.

بقلم: عبدالعزيز السماري - الجزيرة