قصص الأنبياء.. إرثنا المشترك

حين ذهبت لأميركا لأول مرة (عام1987) لم تكن في السعودية قناة أفلام واحدة.. كنا نملك فقط محطتين تلفزيونيتين، وكان الفيديو سلعة نادرة ومحلات الفيديو تعاني من غزوات الصحويين.. لهذا السبب بادرت فور وصولي لولاية منسوتا للاشتراك في قنوات الكيبل ومحلات تأجير الفيديو (خصوصاً أنها كانت وسيلة الترفية المفضلة في ولاية منسوتا ذات الشتاء البارد والطويل)...

كنت كثير التردد على محل فيديو مجاور لشقتي لاستئجار نوع خاص من الأفلام - الأمر الذي لفت انتباه صاحب المحل نفسه.. ليست النوعية التي خطرت ببالكم الآن، بـل الأفلام التي تحكي قصص الأنبياء المعروفين في الديانات السماوية الثلاثة.. شاهدت خلال فترة قصيرة قصة إبراهيم وموسى وعيسى ونوح ويوسف ومعظم الأنبياء الذين وردوا في التوراة والإنجيل..

في ذلك الوقت كانت مشاهدة الأنبياء على الشاشة حدثاً خارقاً بالنسبة لشخص قادم من بيئة تحرم تجسيد الأنبياء في الأفلام والمسلسلات.. وفي المقابل؛ أنتجت هوليود 446 فيلماً حتى الآن تعتمد على قصص الأنبياء أو روايات الإنجيل والعهد القديم (يمكنك الاطلاع عليها بإدخال أحد هاتين الجملتين في غوغل: Bible movies أو Christian films)..

ومن أعظم اللقطات التي أتذكرها انشقاق البحر لموسى، وتلاعب الأمواج بسفينة نوح، وصدمة النساء من جمال يوسف، وخروج عيسى من القبر (بحسب رواية الإنجيل).. ورغم معرفتي المسبقة بالقصص نفسها تعلمت أشياء كثيرة من هذه الأفلام أهمها الأصل المشترك للديانات السماوية الثلاث وأن معظم الأنبياء المتأخرين (باستثناء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) كانوا من بني إسرائيل.. بدليل أسمائهم العبرية...

حوادث وقصص دينية كثيرة تؤكد هذا الأصل المشترك بين اليهودية والمسيحية والإسلام؛ فقصة الطوفان وسفينة نوح وانشقاق البحر مثلاً أحداث تعترف بها الديانات الثلاث (باستثناء رمي إبراهيم في النار، وافتداء إسماعيل بكبش عظيم، اللتين لـم تردا في غير القرآن الكريم)...

وفي حين ينقسم الناس إلى مؤمنين (يسلمون بها) ومكذبين (ينكرون حدوثها) يوجد فريق ثالث يقف على الحياد ويحاول اكتشاف الحقيقة من خلال البحث الجاد والدراسة الميدانية.. أنا شخصياً قرأت عن بعثات علمية كثيرة حاولت العثور على بقايا سفينة نوح، وعصى موسى، وآثار الطوفان، وانشقاق البحر، والمسامير التي صلب بها المسيح، والكفن الذي لف به بعد وفاته (وكتبت في ذلك مقالاً خاصاً يدعى كفن تورين)..

روايات التوراة والإنجيل تشير مثلاً إلى أن سفينة نوح رست على جبل أرارات في تركيا في حين يذكر القرآن الكريم أنها استوت على الجودي (جبل في العراق).. وجميعها روايات ألهبت خيال المغامرين (حتى من غير المتدينين) وحثتهم على تنظيم أكثر من 46 حملة لاستكشاف جبل أرارات وحده - في حين تمتلئ الإنترنت اليوم بصور ما يعتقد أنه آثار الطوفان أو بقايا سفينة نوح.. ورغـم أن محاولات إثبات القصص التوراتية تنتهي دائماً بالفشل وخيبات الأمل تظل "قصص الأنبياء" أعظم إرث مشترك بين أتباع الديانات الثلاثة وأهم دليـل يؤكد ارتباطهم بمصدر ديني واحـد..

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض