غزو.. أم هيمنة ثقافية؟!

في التسعينات دارت حرب بلا أسلحة أو جنود بين الثقافة «الأنجلو - الأميركية»، التي تمثلها أميركا وبريطانيا، وبين الثقافة الفرنسية متمثلة في "الفرنكفونية" هدف فرنسا وقف المد الجارف لإغراقها بالأفلام والكتب ومصطلحات الفلسفة، والعقود القانونية التي ظلت إلى أمد بعيد تهيمن عليها اللغة الفرنسية، حتى أن الحكومة وبيوت الثقافة والإعلام جيّشت الشعب بعدم مخاطبته أي زائر، أو سائح، إلا باللغة الفرنسية، حتى لايهان موروثها العظيم وهويتها المتمثلة بالثقافة واللغة..

انحسار الدور اللغوي الفرنسي لم يحدث فقط داخل منظومتها المتحدثة بها بأفريقيا، وفيتنام وإقليم «كيوبك» في كندا وغيرها وإنما أصبحت تلك الشعوب تقرأ «بلزاك، وهيجو، وسارتر» وغيرهم من الرموز الفلسفية والأدبية بترجماتها الإنجليزية، وفي النهاية لم يعد الصدام مجدياً، لأن الثقافة الأمريكية مهدت لها بريطانيا من خلال الناطقين بلغتها بمختلف مستعمراتها، وحتى الدولة الأم للغة الإنجليزية عاشت إحباطاً لأن التغييرات التي أحدثها الأمريكيون بالتبسيط أو اللهجة والقواعد أضاع موروث لغة «شكسبير»، ثم إن المارد الجديد بقواه الكبيرة، أحدث تغييراً هائلاً ليس بنمط الثقافة، وإنما بفرض تقاليده على مختلف السلوكيات العالمية..

الغريب في الأمر، أن الأسبان الذين يصل ترتيبهم خامساً عالمياً بانتشار لغتهم لم يتصرفوا كالفرنسيين بعصبية ثائرة واعتبروا الأمر محكوما بالتطور الزمني ومدى تطور أو انحسار أي نشاط ثقافي، والأغرب من ذلك أن أمريكا الشمالية صاحبة المعركة العالمية، يتحدث نسبة جيدة من شعبها من أصول «لاتينية» اللغتين الأسبانية والبرتغالية ولهم صحف ومحطات فضائية ومدارس وغيرها دون اعتراض..

الألمان، رغم أن لغتهم الجرمانية قديمة، لم يستطيعوا نشرها إلا في محيط الناطقين بها في النمسا وهولندا، وأجزاء من سويسرا وغيرها، وهي لغة الفلاسفة العظام الذين فجروا فكر النهضة الأوروبية..

الصراع الثقافي اعتبره الكثيرون تعارض القيم المتوازنة، ويصعب هنا التفريق بين الاستعمار الثقافي، والاستلاب الثقافي حين دمرت لغات عالمية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لصالح الثقافة الغازية بسبب محدودية من يدافعون عن هوياتهم الأساسية، وقصور وعيهم وتعليمهم، حتى أن بعض من حاولوا إحياء تلك اللغات وجدوا صدمات داخلية من مثقفيهم من يرى أن تلك اللغات متدنية وغير عملية، وهو الشعور ذاته بالاستعمار الثقافي والفكري..

لغتنا العربية من بين اللغات المهددة بالاندثار، رغم أن حارسها القرآن الكريم، إلا أن هجوم العاميات، وعدم ترجمة المصطلحات العلمية والقانونية الحديثة، وسوء الترجمة ووجود أقليات بقيت لغاتها قائمة، لا نجد من يحترم هذه اللغة رغم غناها الفقهي، وقبولها التنوع الثقافي لمختلف الناطقين بلهجاتهم أو لغاتهم الأساسية، وهي مشكلة سياسية خلقت الفوضى العارمة في المنطقة وجعلت لغتنا رغم انتشارها، محصورة بأبجدياتها الكلاسيكية فقط دون تحديث أو تنوير..

بقلم: يوسف الكويليت - الرياض