أصحاب المركز الثاني

حين تراجع تاريخ العلوم والاختراعات والاكتشافات العظيمة؛ تلاحظ أن خلف كل انجاز عظيم رجلان يتساويان في الذكاء والعبقرية؛ ولكن الأول معروف، والثاني منحوس .. الأول مشهور والثاني مغمور .. الأول يحصل على كل مبالغات المجد والعظمة، والثاني يحصل على كل الجحود والنسيان والغياب عن الساحة:

ــ خذ كمثال التلفون الذي ينسب الفضل في اختراعه إلى الكسندر بل؛ ولكن الكونجرس الأميركي أصدر قبل سنوات قرارا بإعادة الأسبقية لمخترع إيطالي لم يسمع به أحد يدعى أنطونيو ميكسي ...

ــ والمشهور حاليا أن الفضل في اختراع التلفزيون يعود للمهندس الاسكتلندي جون بيرد ولكن الحقيقة هي أن الأسبقية تعود لمزارع من ايداهو يدعى فيلو فارنسورث !

ـــ والمخترعان الرسميان والمعروفان لأول طائرة بمحرك هما الاخوين رايت (عام 1903) ولكن الأسبقية هي للفرنسي كليمون آدر (عام 1890) والبرازيلي سانتون (الذي طار في نفس العام)!

ــ وبالنسبة للهليكوبتر ؛ المخترع المعروف هو ايجور سيكورسكي (أميركي من اصل روسي) ولكن الأسبقية هي للمواطن الفرنسي بول كورني !

ــ وحين انتهى داروين من نظرية التطور بعث كتابه "أصل الأنواع" لمراجعته من قبل عالم أحياء مشهور يدعى والاس كان يعمل بدوره على هذه النظرية .. فوقع كلاهما في حرج بخصوص من سبق الآخر...

ــ أما السيارة فالكل "يدعي وصلا بليلي" ولكن أول سيارة تسير بالبنزين قدمها الألماني جوتليب ديملر عام 1889 (الشريك المؤسس لشركة مرسيدس بنز).

ــ أيضا المخترع المعروف للتلسكوب هو الايطالي جاليليو (عام 1609) ولكن الأسبقية الحقيقية هي لصانع نظارات هولندي أرشد جاليليو لصنع التلسكوب (لا أتذكر حتى أنا اسمه) !

ــ وفي حين ارتبط اختراع السماعة الطبية بالطبيب الفرنسي رينية لينيك (الذي كان يخجل من وضع أذنه على صدور النساء) هناك رسم اغريقي قديم يظهر فيه "أبوقراط" وهو يستمع لدقات القلب من خلال عامود خشبي وضعه على صدر المريض !

... وسبب المشكلة في رأيي يعود إلى أن ذاكرة التاريخ التي لا تتسع لأكثر من بطل واحد .. لا تكمن فقط في نسيان صاحب المركز الثاني (كما يحدث دائما مباريات كأس العالم) بــل وإعطاء المنتصر كل المجد والشهرة، وحرمان الوصيف حتى من حقه في حشر اسمه !!

وهذه الظاهرة يمكن أن تحدث حتى على مستوى الأمم حيث تدعي كل أمة الفضل في اكتشاف هذا الشيء أو ذاك ــ وينسى التاريخ دائما من ينتمي للأمة الأضعف.. فالإيطالي غاليليو هو المشهور حاليا باكتشاف حركة البندول ولكن الحقيقة هي أن ابن يونس المصري سبقه بذلك .. والمشهور أن الإنجليزي وليم هارفي يعتبر رسميا المكتشف للدورة الدموية ولكن الحقيقة هي أن أبن النفيس سبقه بذلك بقرون .. وفي حين ينسب الفرنسيون اختراع الكاميرا إلى لويس داجير، والألمان إلى فريدرك سكوت، نسي العالم أن ابن الهيثم هو أول من عكس الصورة داخل غرفة مظلمة صغيرة دعاها القمرا (ومنها أشتق اسم الكاميرا)..

ورغـم أنني شخصيا لا أحبذ فكرة منح الانجازات العالمية جنسية محلية.. ورغم أن أصحابها هم آخر من يفكر في لون أو عرق أو ديانة من يستفيد من أعمالهم؛ إلا أنني فقط كتبت هذا المقال تكريماً وتعريفاً بأصحاب المركز الثاني ..

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض