زمن الطيبين

في زمن الدعة لم تكن أي خاطرة جالبة للكدر ذات صلة بالبرنامج اليومي المعاش، فالحياة تدفع نفسها بنفسها وما نحن إلا ركاب يستمتعون في رحلتهم بما لذ وطاب وفق المقدرة، فما تصل إليه اليد هو النعيم وما تباعدت به القيمة ليس للناس فيه من حاجة.. هذا الزمن افتقده أصحابه واستلهمه من لم يعش به بجملة (زمن الطيبين)، ولأن الحياة غدت مكلفة فكل ما يمكن الاستغناء عنه غدا ضروريا، ومع تلك الضرورة ظهر التأرجح فلم يعد للدعة مكان.

الناس متأزمون ليس لهم سوى الجلوس لإجراء المسائل الأولوية من جمع وطرح وضرب وقسمة، وهذه المسائل هي التي (تقصف) العمر، وإذا تتبعنا ما ستجنيه العمليات الحسابية فسنجد كلا منا ترك الجمع والطرح بحثا عن علاج يوقف تسارع (القصف) اليومي الذي ينهال على رب الأسرة وتكون النتيجة عدم وجود خدمة طبية تسعف المرء من ذلك القصف على أقل تقدير.

ولأن معظم المتبقين من زمن الطيبين في انحسار إلا أنهم وجدوا أنفسهم متورطين في عمليات حسابية لا يعرفون لها بابا، وإذا أراد الواحد منهم التفقه بما هو حادث وجد عشرات المصطلحات الجديدة التي تتصادم مع وعيه بما هو حادث، وكلها برامج عليه استذكارها لكي يستطيع تدبر حياته وفق الحد الأدنى من المعيشة.. ولكي يفهم فقط وأراد تناول صحيفة لتعلم ما يجب عليه فعله فسيضرب رأسه بالجدر المتوفرة حوله، فمن صفحة اقتصادية واحدة في جريدة واحدة تنهال عليه كوابيس الأزمة، ولكي يتأكد من أن الزمن زمن صعب وليس للدعة مكان فيه، سيستوعب ذلك من قراءة تلك العناوين التي لا تنتمي إلى زمن الطيبين حتى الكلمات لا تنتمى إلى ذلك الزمن (عجز.. سداد.. صرف.. احتياج.. سلف) لذلك فهذا الزمن زمن الصعوبة وليس للطيبين مكان فيه، فلم يعد المرء منهم قادرا على الاحتزام بالقناعة لأن الحياة غدا كل شيء فيها ضروريا فكيف تعيش بقناعة لا تمنحك الحد الأدنى للتمتع بتلك القناعة..

هل هذه سوداوية أم واقع يستحق فيه البكاء على زمن الطيبين..؟

أترك الإجابة للعين القارئة فقد تكون من خارج ذلك الزمن وتظهر أننا عشنا في دلع لم نكن نستحقه.

بقلم: عبده خال - عكاظ