هل يصبح العالم نباتياً بنهاية هذا القرن

قبل خمس سنوات (وتحديدا في سبتمبر 2012) تجولت في الهند لمدة شهرين .. وبالإضافة لتاج محل كان الطعام الهندي من الأشياء الجميلة التي جربتها هناك.. وما ساهم في استمتاعي بـه أن مرافقي كان هندوسيا لم يشاركني الأكل .. كان لا يأكل اللحـوم والبيض والعسل ولا منتجات الحليب ـــ ومنه تعرفت على الفرق بين الانسان النباتي vegetarian والنباتي جدا Vegan .. الأول لا يأكل اللحوم بشتى أنواعها ولكنه لا يرى بأسا في تناول المنتجات التي تخرج منها (كالبيض والحليب والعسل) أما الثاني فأكثر تشددا بحيث لا يمتنع فقط عن أكل اللحوم بــل والمنتجات التي تخرج منها وتتعلق بها.. وفي حال علمنا أن 85% من سكان الهند هندوس نفهم لماذا لم تنجح فيها مطاعم عالمية تعتمد على اللحوم في منتجاتها.. لم تنجح مطاعم ماكدونالد وبرجركنج وبيتزاهت لأنها فشلت في التغلب على إيمان الهنود بقدسية البقرة وجواز أكل مخلوق كان انسانا.. في الحياة الماضية..

ولكن؛ بعيدا عن الاعتقادات الدينية والفلسفية، قد يكون الامتناع عن تناول اللحوم هـو الحل الأمثل لمشكلات كثيرة تواجة البشرية.. فـتناول اللحوم له نتائج سلبية (غير مباشرة) تطال الصحة والبيئة والاقتصاد والاستقرار السياسي.. فإنتاجها مثلا يتطلب كميات كبيرة من المياه والنباتات والمحاصيل التي تتغذى عليها الحيوانات.. كميات تكفي لإطعام عشرة أضعاف البشر في حال توقف عُـشر البشر عن تناول اللحوم بشكل مباشر..

في أمريكا 70% من انتاج الحقول أصبح موجها (ليس لزارعة المحاصيل التي يتناولها الانسان) بـل لزراعة الأعلاف والحبوب التي تتناولها حيوانات المزارع.. حين تقارن بين متطلبات انتاج كيلو من اللحوم (البروتين الحيواني) وكيلو من فول الصويا (بروتين نباتي) تكتشف أن الأول يحتاج لمساحات تفوق الثاني بــ12 ضعفاً، ويستهلك وقوداً أحفورياً بــ13 ضعفاً، ويحتاج إلى مياه عذبة بــ15 ضعفاً...

أما من الناحية البيئية فيمكن للبقرة الواحدة أن تطلق مايعادل عشر سيارات من غاز الميثان (الملوث للغلاف الجوي والمسبب للاحتباس الحراري).. تستهلك منتجات نفطية (لأعمال الحرث والحصاد والتخزين والتدفئة) تلوث البيئة وترفع الحرارة أكثر من أي مصنع بناه الانسان.. تتطلب تربيتها تدمير الغابات واطلاق الملوثات واستهلاك الأسمدة واحتكار مصادر نباتية يحتاجها الفقراء...

ومن المعروف أن نسبة استهلاك اللحوم من معايير الثراء بين الافراد والأمم بسبب تكاليف انتاجه العالية (فالمواطن الأميركي مثلا يستهلك 120 كجم في العام، مقابل 16 فقط في كمبوديا وبنجلاديش).. غير ان هناك ظاهره برزت في أوربا منذ الستينات جعلت التخلي عن اللحم خيارا طوعيا لادخل له بالغنى والفقر أو الاعتقادات الشائعة بين الهندوس. فقد اختار البعض التحول للغذاء النباتي لعلاقة اللحوم بكثير من الأمراض والمشاكل الصحية ــ ناهيك عن الدراسات التي تؤكد إمكانية انتقال بعضها من الحيوانات.. واليوم يقدر أن 40% من البريطانيين أصبحوا نباتيين بشكل كامل وانخفض لديهم تناول اللحوم حتى 61 كجم للفرد (ولدي أرقام تشير إلى أن أوربا بأكملها تتجه في هذا الطريق)...

بقي أن أشير إلى أنني لم أكتب هذا المقال لمنعك من تناول اللحوم، بل للتخفيف منها قدر الإمكان .. لـتدرك أن التخفيف من تناولها لا يساهم فقط في عيشك بصحة جيدة ، بـل ويساهم في توفـير الطعام النباتي والحد من تدمير البيئة واستنزاف المصادر وهدر المياه العذبة ..

وبعد أن كان استهلاك اللحوم دليلا على ارتفاع المستوى الاقتصادي للأمم، أتوقع أن يصبح هجره دليلا على ارتفاع وعيها الصحي والبيئي في قادم الأيام...

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض