إمام #الحرم_المكي: خذلان #المسلم لأخيه استهانة بحقه وتجرئة للأعداء على اقتحام ساحته

الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط

مكة المكرمة: استهل إمام وخطيب المسجد الحرام، فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط، في خطبته بعد توصيته المسلمين بتقوى الله، وقال عباد الله، إذا اعتز أقوام بِفَضْلِ منزع، أو شرف مبدأ، وَإِذَا افتخروا بسمو قدر، وعلو منزلة، فإن من حق أهل الإسلام أن يعتزوا بسمو عقيدتهم، وأن يشرفوا بسداد نهجهم وكمال شريعتهم التي جاءت بأفضل تخطيط. تتوثق به روابطهم وتقوى به الوشائج بينهم، إذا ارتفعت فوق كل رابط حسب، أو نسب، أو مصلحة إلى رابطة الأخوة الجامعة لكل أسباب التواد والتعاطف والتراحم والولاء الشامل لكل من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً، وكما قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (إنما المؤمنون إخوة).

وأردف معاليه: لقد وطّد رسول الهدى صلوات الله عليه وسلامه عليه دعائم هذا الإخاء الفريد بمَبَادِئ تصقله وتهذبه، وتنقيه من كل زائف ودخيل، وتصحح واقعه، فقال صلوات الله وسلامه عليه: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلبه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة” أخرجه الشيخان في صحيحيهما.

فبدأ رسول الله صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا التخطيط النبوي للإخاء الإسلامي بإيجاب تجافي المسلم عن ظلم أخيه سواء أكان ذلك باغتصاب حقه أو النيل من عرضه بالتشهير به علانية، أو سراً بكتابة ما يخالف واقعه بما يكون به الإيقاع بالأبرياء لغايات أو دوافع نفسية، أو ليرفع على أنقاض من رماه بالإفك والبهتان، أو لتكون له الحظوة بحيازة مغنم مادي، أو متاع قليل، أو لرفع مكانته وعلو شأنه، وكل ذلك من الظلم العاتي الذي يجب أن يترفع عنه المسلم لمناهضته الإخاء وصدق الولاء، مستحضراً قول ربه الأعلى في الحديث القدسي: “يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا”، وقول رسوله الكريم صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”.

وبين فضيلته: أن هذا التخطيط النبوي للإخاء الإسلامي أهاب النبي صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمسلم أن لا يسلم أخاه للمكروه يستبد به، ولا للضراء تستأثر به، بل يجعل من نفسه عضداً له عند نزول البلاء بساحته، وسنداً يؤازره ويناصره ليخفف عنه وقع الفاجعة، وهول الصدمة، وليزح عن كاهله كابوس المحنة، وهو أمر عام شامل لا يختص بأفراد دون جماعات، ولا بمن له حق الجوار دون من بعدت به الديار، وشط به المزار، فالمسلمون جَمِيعَاً متضامنون في الآمال والآلام، يصور واقعهم أبلغ تصوير قول رسول الله صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” وشبك بين أصابعه.

وبين فضيلته: أما خذلان المسلم لأخيه في المواطن التي يجب أن ينتصر له فيها فهو استهانة بحقه، وجحود لأخوته، وتجرئة للأعداء على اقتحام ساحته، واستباحة حرمته.

وفي إطار التخطيط النبوي للإخاء الإسلامي أَيْضَاً نلحظ الندب للتضحية بالراحة وكل محبوب للنفس في سبيل قضاء حاجة المسلم، والسعي الحثيث لتفريج كربته، ملوحاً بالوعد الكريم بالجزاء الضافي، مقابلة الإحسان بالإحسان الذي هو في الذروة من أَي جزاء، وذلك هو الرعاية الإلهية والمعونة الربانية تصحب من يبسط جناح رحمته على أخيه المسلم ما دام في حاجة إلى بسط جناحه عليه برفده وكفالته في قضاء حوائجه، أو تفريج كربه، وإغاثة لهفته، أو ضم صوته إليه في المطالبة بحقه، ويتأكد ذلك في حق أرباب الجاه والمنزلة والمكانة إِذْ بهم – بعد الله تعالى – تقضى الحوائج، وتنكشف ظلم المحن، وترتفع البأساء والضراء، وللجاه زكاة كزكاة المال لا مندوحة عن أدائها والإِخْلاَص لله فيها، محذراً من تبدل الحال وزوال النعمة، فإن الله أغيرُ على نعمه من أن يدعها بيد من لا يقوم بحقه فيها.

واستهل فضيلته الخطبة الثانية قائلاً: فياعباد الله، إن الله تعالى جعل رابطة المؤمنين على أساس العقيدة والأخوة في الله فأخبر عن ذلك المعنى قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) وهو إخبار من سبحانه بما يجب أن يكون وَاقِعَاً ملموساً لا مجال لجعله كلاماً وأمانيّ لا رصيد لها؛ لِأنَّ المؤمنين حين آمنوا بربهم وصدقوا برسوله وبما جاءهم من عنده: توحدت وجهتهم، واجتمعت قلوبهم، ولا تنافر بين قلوب اجتمعت على إيمان بالله وعمرها حب شديد بالله، ولرسوله صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وبين خياط: أنَّ الإِيمَان قوة جاذبة تبعث أهلها على التعاطف والتقارب، وهذا التآلف القائم على العقيدة والأخوة في الله جدير بهذا المثل النبوي العظيم من قوله عليه الصلاة والسلام: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى من عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” أخرجه مسلم في صحيحه.

وأَشَارَ فضيلته: أن هذا التواد والتراحم ليغرس في نفس المسلم الشعور بالمسؤولية نحو مجتمعه وأمته، وهو شعور يشكل دائرة تترابط فيها الحلقات كل حلقة منها تمثل مصلحة عامة للمسلمين من واجب المسلم أن يُسْهِم فيها بحسبه؛ ليدل بذلك على أنه عضو عامل في هذا المجتمع، وحصن حصين دونه لا يؤتى المسلمون مِنْ قِبَلِه، وإن هذا الشعور بالمَسْؤُولية لا يكفي فيه إبداء المشاعر الطيبة دون اتخاذ خطوات إِيجَابية تعبر عن الشعور بالمَسْؤُولية والاهتمام بأمر المسلمين، فإذا سار المسلم على الدرب، وأخذ يقتدي بالسلف من وسائل الشد على الأواصر، وربط الأخ بأخيه برابطة الحب في الله، وهجر كل شعار أو نداء أو تحزب وضع الإسلام من شأنه؛ عندئذ يبلغ المسلم ما يريد من خير، ويتبوأ المكانة اللائقة به تحت الشمس، أمة من حقها أن تسود، وأن تقود لا بالحديد والنار ولا بالقهر والإرهاب، بل بدعوتها السامية، وعقيدتها الصافية، ومثلها الرفيعة العالية.

واختتم فضيلته خطبته: فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا من هذا التخطيط النبوي لإقامة دعائم الإخاء الإسلامي خيرَ دليل، وأقوم مرشد، وأهدى سبيل لنهضة الأمة وصلاح أحوالها واستعادة مكانتها.