بلاش فلسفة

«يناهض الخطاب المتشدد التعاطي مع الفلسفة في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم والمآزق التي يقودها الخطاب المتطرف، كون الفلسفة قادرة على تفكيكه، ومناقشته بتجرد كوسيلة في مجابهة مفتوحة بين الأفكار، ومعركة لا يراق فيها دم، وقد تهيئ بيئة صحية للعيش والإقبال على الحياة من منطلق السؤال والاستكشاف». هذا ما تضمنه تقرير «عكاظ» يوم أمس الذي أعده محررها عبدالرحمن العكيمي عن آراء مثقفين يطالبون بضم منهج الفلسفة إلى المناهج التعليمية كونها لم تعد ترفاً بل ضرورة لتطوير الناشئة.

والحقيقة أن العبد الفقير إلى الله كاتبكم مثل الكثيرين غيره الذين نشأوا وعاصروا وعايشوا العبارة الشهيرة أو الأشهر «بلاش فلسفة» التي يرددها حتى الأكاديميون والمثقفون والنخبويون في مجالات وتخصصات كثيرة، وكلكم تعرفون أن هذه العبارة تقال عندما يراد الإيحاء لأحد بأنه يهرف بما لا يعرف ويهذر بما لا يعلم ويدعي الإحاطة بشيء وهو يجهله، ولتبسيط الأمر بشكل إجمالي فإنها تقال لمن نعتقد أنه يكذب أو يغالط أو يشرّق ويغرّب حول الحقيقة دون أن يلامسها.

لقد نسفنا وسفّهنا واحتقرنا كل التعب والشقاء الذي عاناه الفلاسفة منذ عهد أرسطو وسقراط وأفلاطون وحولنا عصارة عقولهم التي نشأت عليها حضارات ثقافية وعلمية إلى هراء وجنون ومروق وتخريف وسفسطة، ثم تطورنا في تحقير الفلاسفة إلى حد اتهامهم بالخروج عن جادة الدين وتلبيسهم تهمة الزندقة ثم التنكيل بهم ذبحا وحرقا وتجريم قراءة ما أنتجوه، وبعودة إلى تأريخ حياة أشهر الفلاسفة والمفكرين المسلمين والعرب سنعرف مدى البشاعة التي اقترفت بحقهم، لأنه لا يراد لهم تنوير عقول الناس وتعليمهم كيفية التعاطي مع أسئلة الكون والحياة ليستمروا تحت وصاية التجهيل والتعمية وتحويل عقولهم إلى غرف مغلقة مهجورة ومؤصدة بأقفال صدئة.

لا أعرف كيف ومتى تم تدشين عبارة بلاش فلسفة البسيطة في ظاهرها والمدمرة في باطنها والتي استطاعت بخبث إسقاط الفكر الفلسفي العميق المهم من عليائه إلى حضيض السخرية والاحتقار. ولكن بما أن الأمر كذلك فلسنا في حاجة الآن ونحن بهذا الفهم للفلسفة أن نطالب بضمها للمناهج، وغالب الظن أنه حتى بدون أخذ هذا التفسير أو هذه التخريجات في الاعتبار لن يتحقق هذا المطلب لأن مطالب أبسط منه كثيراً وأهم لم تتحقق بسبب الحرّاس الشداد الغلاظ القائمين على التعليم. التعليم بحاجة إلى تنقية وحذف كثير من اللا مفيد والضار في مناهجه وإضافة أشياء أصبحت أكثر من ضرورية لكل البشر في هذا الزمن.

بقلم: حمود أبو طالب - عكاظ