التناسل المفرط سلاح ذو حدين

إنجاب أكبر عدد من الأطفال كان (حتى وقت قريب) أفضل طريقة للحفاظ على نسل الإنسان.. كان الإنجاب المفرط سلاحنا الوحيد ضد الأمراض والمجاعات والحروب وكوارث الطبيعة.. كانت المرأة تنجب درزن أطفال لأنها تعرف أن من سيعيش منهم لن يتجاوز طفلين أو ثلاثة.. جدتي أنجبت عشرة أطفال لم يبق منهم سوى أربعة (من بينهم والدتي).. أما والدي فلم ير أحدا من أشقائه وماتت والدته أثناء رضاعته.. وفي حال سألت اليوم رجلاً تجاوز السبعين عن أشقائه سيخبرك أن من مات منهم صغيرا يفوق من عاش منهم كبيرا (الأمر الذي يجعلني أنا وأنت محظوظين بوجودنا حتى اليوم)..

.. وحتى وقت قريب لم تكن لدى كوكب الأرض مشكلة في استقبال المزيد من البشر؛ فالأراضي شاسعة، والمياة متوفرة، والأشجار تغطي الأرض، والطرائد أكثر من الناس.. وحتى ميلاد نبينا محمد (عام 571م) لم يكن عدد البشر مجتمعين يتجاوز عدد سكان جدة هذه الأيام.. ولكن.. بحلول عام 1920 تضاعف العدد (333 مرة) ووصل الى أول مليار.. ثم ارتفع إلى ثلاثة مليارات بحلول عام 1960.. ثم إلى أربعة مليارات عام 1974.. ثم إلى خمسة عام 1987.. ثم إلى ستة عام 1999.. ثم إلى 7.5 مليارات نسمة هذه الأيام.. ويتوقع وصوله إلى 9.1 مليارات عام 2050 (وهو ما يعني تضاعف أعداد البشر 3000 مرة منذ عام الفيل)!!

ويعود سر القفزات الأخيرة إلى التقدم الطبي، وارتفاع مستوى التعليم والوعي الصحي اللذين ساهما في خفض وفيات الرضع، ورفع في المقابل متوسط أعمار الناس في جميع الدول.. أصبحنا نملك مشكلة معاكسة تتعلق بارتفاع عدد البشر مقابل انخفاض موارد الأرض.. ففي آخر مئة عام فقط اختفت الحيوانات من جزيرة العرب، والأسماك من بحر اليابان، والغابات من غرب أوروبا، وجفت بحيرات كثيرة بسبب الاستهلاك المفرط للأنهار التي تصب فيها.. لم يعد البشر بحاجة للتناسل بشكل مفرط كالماضي، بل لخفض تناسلهم حفاظا على كوكبهم الصغير.. أول من دق ناقوس الخطر كان عالم الرياضيات الانجليزي روبرت مالتس الذي نبه عام 1798 إلى مخاطر الارتفاع المتزايد في عدد السكان على موارد الأرض وخدمات الدولة.. أوضح أن البشر يتضاعفون بمتوالية هندسية (32.16.4.2) في حين تتزايد غلات الأرض بمتوالية حسابية (6.5.4.3.2.1). وهذا يعني أن البشر سيتقاتلون حتما على موارد الأرض (في حال كانت شحيحة) أو يستمرون في التوسع لمناطق عيش جديدة في حال توفرها (ولاحظ كيف تمددت الرياض بسرعة مذهلة خلال الستين عاما الماضية، وكيف ارتفع عدد السعوديين من أربعة ملايين إلى 22 مليونا هذه الأيام)..

أيها السادة؛

سبق وكتبت مقالا حذرت فيه من تداعيات التناسل المفرط على بلادنا خاصة.. قلت فيه إننا كثيرا ما نتشكى من ضعف الخدمات وقلة المستشفيات وتكدس الفصول الدراسية، ونتجاهل في المقابل تضاعفنا المستمر ودورنا (كآباء وأمهات) في تضخيم هذه الأزمة.. فحين تسبق "عجلة الإنجاب" "عجلة التنمية" تكثر معدلات الفقر والبطالة، وأزمة السكن، وفرص التعلم، وتوفير رعاية صحية مناسبة.. حين كان عددنا صغيرا كان البترول كفيلا بتغطية كل المشاكل، ولكننا وصلنا اليوم إلى مرحلة حرجة لا يمكن لثروة مجانية كالنفط تجازوها (هذا إن افترضنا أصلا امتلاكنا موارد طبيعية أو موقعا جغرافيا مازال صالحا للسكن)!!

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض