مجنونة.. أم سبقت عصرها؟

نيوكولا تسلا مهندس أميركي صربي اخترع المحول الكهربائي، والمحرك الحثي، والسيارة الكهربائية، وبفضل إصراره على استخدام التيار الترددي أصبحت الكهرباء تصل لبيوتنا من مسافات بعيدة..

عمل لفترة مع توماس أديسون (أشهر مخترع أميركي) ثم انفصل عنه بسبب إصرار أديسون على استخدام التيار المستمر في توزيع الكهرباء داخل نيويورك.. له العديد من الاختراعات والفرضيات المجنونة مثل محاولة نقل الأجساد عبر الأثير، وتوزيع الكهرباء لاسلكياً، وابتكار صفائح مضادة للجاذبية..

وفي عام 1900 ادعى قدرته على صنع الزلازل بحقن الأرض بتيارات كهربائية متضادة.. بدا كلامه معقولاً كونه حاول قبل ذلك نقل التيارات الكهربائية عبر تربة الأرض السطحية.. وحين سمع الجيش الأميركي بادعائه الأخير استولى على مختبره ومازال يحتفظ بأرشيفه الخاص حتى اليوم..

واليوم هناك من يدعي امتلاك الحكومة الأميركية سلاحاً سرياً لخلق الزلازل اعتماداً على أفكار تسلا.. ويستشهدون بمشروع هيرب في "ولاية ألاسكا" الذي يشغل أربعة هكتارات ويتضمن 360 برجاً كهربائياً متراصة بشكل هندسي لا يعرف هدفها بالضبط!!

وادعاء تسلا بخصوص الزلازل يمكن أخذه كأنموذج لاكتشافات سبقت عصرها، أو أنموذجاً لفرضيات مجنونة يستحيل تنفيذها (لا في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل)..

وسواء كانت مجنونة أم رائدة، يصعب التفريق بينها حتى تظهر بنفسها..

فكثير من الفرضيات الخارقة في الماضي (والتي وصفت حينها بالاستحالة) أمكن تطبيقها في عصرنا الحاضر.. مثلاً، حين سمعت مجلة "أميركاساينتيفك" بنجاح الأخوين رايت في الطيران كذبت الخبر وقالت "يستحيل علمياً طيران أي جسم أثقل من الهواء".. وفي عام 1902 أصدرت جمعية المهندسين الألمان بيانا تستنكر فيه ادعاء زيبلن بإمكانية تصميم بالون يحمل البضائع لأميركا (وما هي إلا سنوات قليلة حتى كان زيبلن يسير رحلات منتظمة عبر المحيط الأطلسي).. وحين أخبر أديسون مكتب براءات الاختراع أنه يعمل على اختراع مصباح يحول الليل إلى نهار نصحه المكتب بالتوقف وقال في رده "إنها فكرة حمقاء".. وفي عام 1899 اتضح من هو الأحمق الحقيقي حيث طالب مدير مكتب براءات الاختراع في واشنطن بإغلاق المكتب لأنه -حسب رأيه- لم يبق في الدنيا شيء لم يخترع بعد..

وفي المقابل؛ هناك فرضيات واختراعات معقولة ومع هذا لم تظهر حتى الآن (رغم التنبؤ بها منذ وقت طويل).. خذ كمثال السيارة الطائرة، وتغيير الطقس، واستنساخ الإنسان، واستعمار المريخ، وزراعة البحر، والاختفاء عن الأبصار، والسفر لكواكب بعيدة، وبناء مدن تحت البحر.. جميعها أفكار قديمة لم ننجح في تطبيقها حتى اليوم (رغم ورودها في قصص الخيال العلمي منذ مئة عام)..

حين تراجع تاريخ التكنولوجيا تكتشف أنه يزخر بمحاولات معلقة أو غير مكتملة لإلغاء الجاذبية، وتحويل الرصاص لذهب، واستخراج طاقة الهيدروجين من البحار، واندماج ذرات الهليوم (التي تحدث في الشمس) داخل المختبر.. تتعجب لماذا لم يهتم أحد -حتى اليوم- بإكمال مشروع تسلا في توزيع الكهرباء لاسلكياً، أو نقل الجسيمات عبر الأثير، أو تجميع طاقة الكون التي تقصف الأرض بكميات هائلة.. "عبقري" أم "مجنون" لقب يقرره نجاح أو فشل الفكرة الجديدة..

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض