المملكة باتجاه الشمس

تتحدث كثير من الصحف الآسوية هذه الأيام وبتحليلات متخصصة عميقة عن القوة الاقتصادية العربية السعودية التي تتجول في بعض أهم عواصم القارة، ابتداء بماليزيا ومرورا بإندونيسيا والصين واليابان، والحديث يتمحور عن ضرورة عقد شراكات أكبر مع هذه القوة والدخول معها في برامج أكثر ومجالات أوسع من ذي قبل، ما يعني أن المملكة لا تسوّق نفسها من جانب واحد وإنما هي جاذبة للآخرين ومقنعة لهم بخططها النوعية الطموحة وملاءتها المالية وتوجهها لتنويع اقتصادها بالخروج التدريجي من عباءة النفط كغطاء ومصدر أساسي وشبه وحيد لاقتصادها.

والدول التي يزورها الملك سلمان الآن تمثل نماذج لتجارب اقتصادية تأريخية بنجاحاتها التي استطاعت تحويلها من حالة الركود والاعتماد على الآخرين إلى دول منتجة واقتصادات منافسة ومتقدمة بفضل الاستغلال الأمثل للعقول بحسن التخطيط والاستثمار الأفضل للموارد بتحويلها إلى صناعات متقدمة تكتسح أسواق العالم.

التجربة الماليزية التي قادها رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد أصبحت مدرسة اقتصادية ونهجاً تحوليا نموذجيا للقدرة على تحقيق الطموح بالإرادة ودقة التخطيط وانضباط التنفيذ. تحولت ماليزيا جذريا وقفزت من القاع إلى القمة، لتصبح الآن دولة تنافس على مراكز متقدمة باقتصادها، وتجربة متميزة للنجاح في بناء دولة حديثة متطورة.

إندونيسيا ذات القوة البشرية الكبيرة والموارد الطبيعية الهائلة استطاعت بعد تغلبها على كثير من العثرات السياسية وضبطها لكثير من أشكال الفساد المزمن، استطاعت أن تنهض وتتقدم كثيراً وتعوض زمن الترهل والكساد لتصبح دولة صناعية متقدمة تدير اقتصادها بعقلية حديثة، ولديها طموح مستمر في مضمار التنافسية تسعى لتحقيقه.

أما الصين التي يزورها الملك سلمان للمرة الثانية بعد زيارته لها ولياً للعهد وعقد اتفاقيات وشراكات مهمة خلال تلك الزيارة، فإن زيارته الحالية تأتي استكمالا وتطويرا لما تم إنجازه آنذاك، وتأسيسا لبرامج جديدة مع ثاني أكبر اقتصاد عالمي الذي تمثل المملكة الآن أكبر مصدر له من النفط، وأهم شريك في الصناعات البترولية التحويلية.

وتبقى اليابان الحكاية الاقتصادية الفخمة، والتجربة الأروع لبلاد الشمس المشرقة التي نهضت من الدمار كطائر الفينيق لتصبح رمزاً عالميا تأريخيا على مر العصور في بناء الذات من العدم، وأيقونة للتحدي بخلق وطن يتردد ذكره في كل أنحاء العالم عندما يحضر الحديث عن التميز.

المملكة قررت أن تتحدى نفسها أيضاً بقرارها أن تكون لها رؤية واضحة وبرنامجاً تحوليا يخرجها من شرنقة المصدر الواحد، والمستورد لكل شيء تقريبا عدا ذلك المصدر. هي مؤهلة لدخول عالم الكبار باقتصاد متنوع بعد دخولها نادي العشرين، وهي قادرة لاعتبارات كثيرة ومؤهلات متميزة أن تحقق رؤيتها عندما تتمازج الخبرات وتتنوع التجارب الناجحة في شراكاتها. وهي أيضا مغرية بتوفر عوامل الاستقرار فيها والثقة في مصداقيتها والتزامها تجاه الآخرين. وإن كانت في الماضي قد اعتمدت كثيراً على الاتجاه غرباً لأسباب حددتها ظروف المرحلة فإنها تسير الآن في كل الاتجاهات التي تحقق مصلحتها انطلاقا من إيمانها وثقتها بسيادة قراراتها وحريتها المطلقة في البحث عن الأفضل لأنها ليست مقيدة أو ملزمة بالبقاء في دائرة ضيقة لا تليق بمكانتها وقدراتها.

بقلم: حمود أبو طالب - عكاظ