ماذا تعلمت من تويتر

تويتر (مثل معظم وسائل التواصل الاجتماعي) غيّرتنا، وغيرت طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض.. أخرجتنا عن تحفظنا، وأثبتت كم نحن منفلتون بطبيعتنا.. أثبتت أننا نلبس عددا كبيرا من الأقنعة ونتخفى خلف قدر كبير من المجاملات المزيفة.. خلقت مشاهير كغثاء السيل (لا يملكون فكراً ولا هدفاً ولا رسالة) وطمست مفكرين وعقلاء فشلوا في تقديم الفكرة، والهدف، والرسالة.. منحت الجميع فرصة الظهور والشهرة ــ والأسوأ من ذلك ــ فرصة التشوية والتحريض والإساءة.. يكفي لتشويه سمعة أي إنسان أن تقول عنه هذه الأيام (أي شيء) وتؤيده (بأي شيء) ليتهمه الجميع (بـكل شيء).. أصبح بإمكانك تحقيق الشهرة من خلال ادعاء رؤيـا، أو كشف فضيحة، أو تقديم فتوى، أو اللعب على وتر حساس يؤيده جميع الناس!!

... ولكن؛

كما أن لمواقع التواصل الاجتماعي مساوئ لا يمكن سترها، لهـا محاسن لا يمكن إنكارها.. فقد تحولت مثلا لبرلمان اجتماعي يعبر فعلياً عن مشاغل الناس، واهتماماتهم.. أصبحت على سطحيتها (وعدم مثاليتها) مصدراً ثقافياً لمن نسي شكل الكتاب، ومجلدات المعرفة.. أنشأت دون قصد سوق خردوات ثقافية، يعثر فيها أي شخص على ضالته الفكرية.. بـلورت دون قصد قوالب ويكي Wiki بحيث يساهم الجميع في الحذف، والإضافة، والتعديل، فـتتلمس من بين كل هذا الآراء والمعلومات الأقرب للصحة!

... حتى على المستوى الشخصي تكتشف أن وسائل التواصل الاجتماعي غيَّرتك وعلمتك الكثير عن نفسك، وأفراد مجتمعك..

فـأنا مثلا تعلمت منها صعوبة اقناع الإنسان كـفـرد، ولكن سهولة انقياد الناس كمجموعات (الأمر الذي يفسر سهولة انتشار الشائعات والأكاذيب بينهم)...

تعلمت منها أن الحديث من وراء حجاب (حـين لا نظهر أمام الناس مباشرة) يكشفنا على حقيقتنا والجوانب القاسية فـينا...

تعلمت أن توثيق المعلومة، وتحكيم العقل، ليستا شرطاً لانتشار الخبر أو شعبية المعلومة.. يكفي أن تكون غريبة، أو طريفة، أو مبالغاً فيها، كي تنطلق بقوتها الذاتية، وتنتشر دون رقـابة رسمية..

تعلمت أن البعض يتعمد صياغة الأكاذيب، وفبركة المعجزات، بنية الشهرة (أو حتى الوعظ والإرشاد) دون التفكير بأنه أسلوب مفضوح، سيرتد عليه عاجلا أم آجلا...

تعلمت أن الشهرة يمكن أن تتحول إلى إدمان، وأن حب الظهور يأتي على حساب الخصوصية، وأن بعض من وضعناهم في القمة أدمنوا الشهرة وحب الظهور...

تعلمت ميل الناس للاتباع والنسج على أول منوال.. فـمن يعلقون على مشاركاتك مثلاً، ينسجون غالبا على كلام (أول شخص) علق سواء بالسلب، أو الإيجاب...

تعلمت أيضا أن النقاش باب يسهل فتحه، ولكن يصعب إغلاقه.. فـحتى في الحالات القليلة التي أناقش (أو أرد فيها على أحد) لا أسلم من سؤال رديف، أو نقاش ثانوي لا يتعلق بالموضوع...

تعلمت أن الشعبية، والانتشار، لا تتحقق من خلال المشاركات الجادة، أو المواضيع الهادفة، (بدليل شعبية المهايطين والمتابعات المليونية للحسابات السطحية)...

تعلمت أن هناك من يبيح لنفسه السياحة في الانترنت بنية الاحتساب (وبهذه الحجة يقنع نفسه بجواز رؤيته، ومتابعته، لما لا يجوز للآخرين رؤيته ومتابعته)!!

تعلمت أن ساحات الاختلاط الأكبر (ليست في الأسواق، والشوارع، كما يظن رجال الهيئة) بل داخـل البيوت، وغرف النوم، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي...

وأخيرا؛

تعلمت أن مواقع التواصل الاجتماعي بريئة من كل السلبيات السابقة..
هي فـقـط كشفتنا على حقيقتنا، ونزعت الأقـنعة التي نلبسها أمام بعضنا...

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض