أسرار اليوم.. تقنيات الغد

أتابع هذه الأيام أفلام العميل السري "جيمس بوند" على إحدى القنوات.. لم تعد تجذبني كما كانت أيام زمان، ولكنها مازالت تذكرني بأيام المراهقة، أيام كانت علامة فارقة بين الأفلام.. مازالت لحظتي المفضلة حين يقابل جيمس بوند مستر كيو (رئيس قسم الأبحاث في المخابرات البريطانية) ليطلعه على آخر الابتكارات التجسسية.. فهذه ساعة لتحديد المواقع، وذاك قلم يطلق الرصاص، وتلك أزرار لتسجيل المحادثات، وتلك نظارة تصور ما تراه العين، وذلك ريموت يستدعي سيارة مزودة بأحدث الصواريخ.. وإن كنت لم أرَ حتى الآن سيارة خفية كالتي يقودها جيمس بوند في فيلم "مت في يوم آخر"..

وجميع هذه التقنيات كانت (في الستينيات والسبعينيات) منتجات مدهشة سبقت عصرها.. كانت أجهزة تجسس حقيقية يحملها معهم الجواسيس التقليديون في الشرق والغرب.. غير أنها نزلت اليوم من عليائها وأصبحت مجرد سلع يشتريها الناس من قبيل التسلية.. أنا شخصيا اشتريت من اليابان "نظارة" تضم شريحة إلكترونية تسجل ما تقع عليه العين.. وأملك في منزلي طبقا صغيرا (كالمستخدم في الملاعب) يرصد أحاديث الناس عن بعد.. وفي بريطانيا دخلت متجرا يبيع كل ما يحتاجه الجاسوس التقليدي من كاميرات بحجم الكبك، وميكروفونات تصنع كقلم، وهواتف تغير الأصوات، وتقنيات تتبع تلتصق بالثياب دون علم صاحبها... الخ.

ورغم أنها أعاجيب حقيقية تعد قديمة ومتخلفة بمعايير التجسس الحديثة، أو حتى مقارنة بتطبيقات الهواتف الذكية هذه الأيام.. بقايا حرب باردة تخلت عنها أجهزة المخابرات بعد أن كانت سرية وغير معروفة في السبعينيات والثمانينيات.. فدوائر المخابرات تحتكر لوقت طويل أحدث التقنيات ولا تكشف عنها قبل ظهور ما هو أفضل منها.. وحين تتنازل عن تقنياتها القديمة تتلقفها المؤسسات التجارية وتسوقها لعامة الناس، وهذا يعني أنها تستعمل حاليا تقنيات أكثر تقدما قد لا نراها قبل عقود طويلة!

.. وكنت في مارس الماضي قد نشرت مقالا بعنوان "ممّ يخاف البنتاغون" ضربت فيه مثلا بنظام تحديد المواقع GBS الذي كان حكرا على وزارة الدفاع وأجهزة المخابرات الأميركية (قبل أن يصبح قديما ومتخلفا وتقرر منحه لعامة الناس).. قلت فيه إن البنتاغون سبق وتخلى عن شبكة الإنترنت وأنظمة التوجيه وتحديد المواقع لأنها ببساطة أصبحت تملك تقنيات أفضل منها، لدرجة تساءلت إن وصلوا لمرحلة تستطيع فيها الأقمار الاصطناعية اختراق جدران منازلنا..

.. وعلى الطرف المقابل لأفلام جيمس بوند، هناك الأفلام المستقبلية التي لا أستبعد تطبيق تقنياتها الخيالية بطريقة سرية هذه الأيام (خصوصا في ظل وجود مؤسسات تجسس تقدم خدماتها للشركات ورجال الأعمال).. ففي أكثر من فيلم رأيت أجهزة تقرأ أفكار الناس أو تسيطر عليهم عن بعد أو تغسل أدمغتهم باستعمال ذبذبات ترسل عبر الجوال، أو حتى تمحو ذاكرتهم بشكل جزئي باستعمال قلم ضوئي (كما رأينا في فيلم رجال ببذلات سوداء)..

وكما تنبأت أفلام جيمس بوند بالتقنيات التي نراها اليوم، تتنبأ هذه الأفلام بالتقنيات التي سنراها غدا.. وخذها قاعدة:

كل ما يمكنك تخيله اليوم يمكن لتقنية الغد تنفيذه..

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض