الحياة لا يقدمها بائعو الأحلام!

من الصعب أن يتوفر توجه سياسي دون غطاء أيدلوجي (عدا في بلاد الغرب). لا يمكن أن تتقدم جماعة سياسية أو أن يقفز عسكري إلى السلطة دون أن يضع برنامجه السياسي في إطار أيدلوجي محدد.

الايدلوجيا هي الموضة الفكرية السياسية السائدة في عصرها. عندما تتراجع موضة من الموضات الايدلوجية سترى أن هناك موضة جديدة تتسلل لتحل محلها.

العروبة موضة، الاشتراكية موضة، الوحدة موضة، الإسلاموية موضة. تتغلف الموضات الأيدلوجية في وعود كبرى لا يمكن تحقيقها بل ويصعب فهمها، وتأخذ قيمتها وفعاليتها الأساسية من الغموض والالتباس الذي تنطوي عليه ولا يمكن أن تتحدث عن حياة الناس اليومية.

خذ موضة الخلافة هذه الأيام كمثال. طرحت هذه القيمة الايدلوجية على الجماهير بوصفها المنقذ. رحب بها مئات الآلاف من المسلمين في انحاء مختلفة. ما الذي تعرفه عنها سوى البريق الديني الذي تتدثر به.. لم تقم أي من القنوات الدينية بمساءلة دعاة الخلافة حول دعواهم. ولم تبحث الأمر جامعة حتى الجامعات الدينية سكتت. لم يناقش الأمر مع دعاتها على أي مستوى من المستويات الثقافية والفكرية. كيف ستتحقق هذه الخلافة على الأرض.

من هو الخليفة القادم وكيف نعينه ومن اين ينطلق؟ هل المطلوب إزالة الدول الإسلامية القائمة الآن وعلى انقاضها نقيم دولة الخلافة؟ هل دولة الخلافة القادمة جزء من المنظومة العالمية أم لا؟ كيف ستطعم الناس وتؤمن حياة الرفاهية لهم؟ مئات الأسئلة لم يطرح منها سؤال واحد على أصحاب الفكرة. رغم ذلك حققت شعبية واسعة وقدمت للبغدادي والجولاني آلاف المقاتلين.

ميزة الأيدلوجيا أنه يستطيع المغرر بها أن يفصلها على مقاس آلامه وأحلامه،

البشر ليسوا مغفلين ولكنهم حالمون أو محبطون.

يصور دعاة الأيدلوجيا لهم واقعهم أنه مزر، وبعضهم واقعه مزر فعلا. أي وعد بالتغيير نجاة من هذا الواقع. (خذ اليمنيين والسوريين).

لن يخسروا شيئا إذا تعلقوا بالأمل وبالحلم وساروا خلف دعاتهما. الأيدلوجيا توفر الهروب الخيالي. لا تقدم برامج مرتبطة بحياة الناس المباشرة ولكن تقدم شيئا مثل (العدالة، النصر، التمكين).. الخ. كلام لا معنى له ولا يحيل إلى مصالح الناس الحقيقية.

الشيء الذي لم نتعلمه من التاريخ ومن التجارب المتلاحقة أن الأيدلوجيا لم تربح ابدا ولم يستفد منها أحد على الاطلاق. ليس لأنها سيئة ولكن لأنها غير موجودة. كل الوعود التي تطرحها الأيدلوجيا اضغاث احلام.

في الوقت الذي تصبح فيه أداة لحض الناس على الثورة في مكان تصبح أداة لمقاومة التغيير في مكان آخر. الشيء ونقيضه. الايدلوجيا ليس لها قيمة في تغيير حياة الناس إلى الأفضل. كل أيدلوجيا طرحت على الناس ساهمت في تعميق بؤسهم. مر على اليمن كل الايدلوجيات (العروبة، الوحدة الاشتراكية الأسلاموية). تنقل فيها اليمن من واحدة إلى الأخرى حتى وصل إلى قاع البؤس الذي يتخبط فيه اليوم.

هي مجرد أداة تأخذ حكاما للحكم وتزيل الحكام السابقين الذين استنفدت أيدلوجيتهم أغراضها. في النهاية تدفع الجماهير ثمن الخلع وتدفع ثمن التركيب وتمضي في طريق التدهور والانهيار.

سيتوقف هذا عندما تدرك كثير من الشعوب، كما ادركت الشعوب الأوروبية، أن الحياة لا يقدمها بائعو الأحلام والدعاوى الدينية والفكرية بل أصحاب البرامج الاقتصادية والاجتماعية ودعاة الحرية.

بقلم: عبدالله بن بخيت - الرياض