الخروج من قائمة الــ107 مليارات

جميعنا نموت لنمنح غيرنا فرصة الحياة.. كوكب الأرض يحمل هذه الأيام سبعة مليارات إنسان ولكن عدد من ماتوا منذ بدء الخليقة يتجاوز 107 مليارات (وهو ما يعني وجود شخص حي مقابل 15 ماتوا من آلاف السنين)..

الفرق ـ بين موتى الأمس واليوم ـ أن من سيموت هذا العام ترتفع نسبة خلوده عمن مات قبل مائة عام.. في الماضي كان الميت يُنسى ويتلاشى ذكره (مالم يكن شخصية تاريخية عظيمة) وينضم خلال جيلين لقائمة الــ107 مليارات مـنسـي في التاريخ..

غير أن الإنترنت وتقنيات التخزين الافتراضي (ناهيك عن ثورة الصور الرقمية) منحتنا هذه الأيام فرصة العيش والبقاء في العالم الافتراضي بعد وفاتنا بزمن طويل..

لم تعد بحاجة لأن تكون قائدا بمستوى جنكيزخان، أو مفكرا بمستوى أفلاطون، أو جزارا كهتلر ونابليون ليدخل اسمك التاريخ ويبقى أثرك بين الناس.. بعد وفاتك ستبقى صورك وأفكارك وإيميلاتك (بل وسنابات وفضائح تم تسجيلها دون علمك) بحيث تصبح خالدا بطريقة الكترونية في فضاء الانترنت!!

... في رواية رجل تحت الصفر (لمصطفى محمود) تستحوذ على الدكتور شاهين فكرة تحويل جسده الى موجات لاسلكية تنتقل عبر الأثير .. وتنتهي الرواية بنجاحه في التحول الى أمواج لاسلكية خالدة يتردد صداها في جنبات الكون ــ ويمكن لسكان الأرض متابعتها على الموجة 979,333 ميكروسيكل حسب الإرشادات التي تركها لهـم قبل تلاشيه!!

صحيح أننا لم نصل حتى الآن لهذه المرحلة المتقدمة، ولكنْ هناك أشخاصاً دخلت أجسادهم فعليا إلى الواقع الافتراضي.. فقبل ثلاثة أعوام مثلا قام العلماء الألمان بتقطيع دماغ سيدة متوفاة إلى 7400 شريحة للحصول على مشاهد ثلاثية الأبعاد للدماغ البشري.. لم تكمن المرة الأولى التي يتم فيها تصوير الدماغ بهذه الطريقة ولكنها المرة الأولى التي يتم فيها تقطيعه إلى هذا العدد الكبير.. فسمك الشريحة لم يتجاوز العشرين ميكروميتر (أقل من سمك الشعرة) الأمر الذي وفر تفاصيل أكثر دقـة ووضوحاً من المشاريع السابقة (التي تتوفر اليوم على اليوتيوب وفضاء الانترنت)...

أما أول مشروع من هذا النوع فظهر في جامعة كلورادو في عقد التسعينات.. فقد اقترح الدكتور فيكتور سبايتزر تقطيع جثة حقيقية وادخالها بالترتيب في الكمبيوتر لخلق واقع افتراضي للجسم البشري.. لم تكن الصعوبة في التقنية ذاتها، بـل في العثور على من يقبل "تقطيع" جسده إلى شرائح مقطعية (كما يتم تقطيع الجزرة أو الخيارة).. وبعد أربع سنوات من طرح المشروع نجح الدكتور فيكتور في إقناع مجرم محكوم عليه بالإعدام بالتبرع بجسده بعـد وفاته.. وفور إعدامه في أغسطس 1994 تم حقنه بمواد حافظة ثم تقطيعه ــ من رأسه لأسفل قدميه ــ الى شرائح مقطعية لا يتجاوز سمكها واحد مليمتر. وبعد قطع كل شريحة كان يتم تصويرها بسرعة وإدخالها إلى الكمبيوتر بماسحة ضوئية خاصة.. واستمر العمل على هذا المنوال حتى أدخل الأطباء 1871 شريحة شكلت في مجملها فيلما متحركا اشترت حقوق استخدامه آلاف الجامعات حول العالم (وتم بفضله اكتشاف أخطاء كثيرة في كتب التشريح التي تدرس لطلاب الطب)... وبهذا الإنجاز يمكن القول ان جوزيف بول (المجرم الذي تطوع بجسده تكفيرا لذنوبه) أصبح خالدا بطريقة افتراضية من خلال مشروع "الجثة الرقمية"..

غير أن التحول إلى (شرائح مارتديلا) ليس شرطاً لبقائك أنت خالدا في العالم الافتراضي.. إذ يمكنك البقاء (كتلة واحدة) بفضل آرائك وصورك وكتاباتك التي تبثها في الانترنت هذه الأيام ــ ويمكن لأحفاد أحفادك رؤيتها بعد قرون من وفاتك...

ـــ السؤال الكبير هـو:

بـأي شكل وطريقة تريد أن يبقى ذكرك ويـُخلد اسمك في الفضاء الإلكتروني؟

بقلم: فهد عامر الأحمدي - الرياض