دور الأمم المتحدة الهزيل!

جاءت أحداث اليمن لتكشف بجلاء عن الخلل والتخبط والارتجالية التي تعانيها الأمم المتحدة رغم ان المواثيق الدولية ومبادئ القانون الدولي واضحة وصريحة الا ان تعاطي المنظمة العجوز مع ازمات المنطقة وخصوصا من خلال مبعوثيها لازال يمثل علامة استفهام ويؤكد انها بحاجة الى إعادة نظر رغم انها مشكلات مزمنة تجذرت مع مرور الزمن.

على أن موضوع إصلاح الأمم المتحدة لا يلبث ان يطفو على السطح مع كل محاولة فاشلة في معالجة القضايا في مجلس الامن لاسيما وقد تجاوز عمر المنظمة 67 عاما. ولك ان تتأمل إخفاقاتها المتوالية منذ زمن في الاحداث المهمة والملفات الساخنة كأزمة كوريا الشمالية، وبرنامج إيران النووي، وخلافات الهند مع باكستان، والصين مع تايوان، مروراً بفلسطين والسودان وأزمات أميركا الجنوبية مع الشمالية، وانتهاء بسورية واليمن.

وليس مستغربا ان يتجدد السؤال دائما عن مستقبل المنظمة العتيقة خصوصا وان الكثيرين ممن تعاملوا معها أشاروا إلى اهتزاز الثقة بها، ولعلنا نتذكر ما قاله الراحل الملك عبدالله رحمه الله عندما نبه بأن العالم لا تحكمه عدة دول بل يُحكم بالعقلانية والإنصاف والأخلاق، وهنا يقصد أن مستقبل إصلاح الأمم المتحدة لا بد وان ينطلق من أرضية التعامل مع واقع عالمي جديد.

غير ان توالي سقطات المنظمة يدفع الكثيرين الى المطالبة بأهمية إعادة النظر في هيكيلة الأمم المتحدة ودور مجلس الأمن وآلية اتخاذ القرار فيه، ويقرون بوجود خلل في راهن المنظمة الدولية وأنها بحاجة لعمليات جراحية وليس إلى مسكنات، بدليل العطب الملموس في التطبيقات العملية الصادرة عن أجهزتها الرئيسية فضلا عن التابعة لها. ولعل الظرف ودقة المرحلة التي يمر بها العالم أعطيا زخما واهتماما للدعوات المنادية بإصلاح جذري يمس الجوهر والمضمون.

وفي هذا السياق نستذكر الفيلسوف ايمانويل كانط الذي كان أول من اقترح إنشاء منظومة فيدرالية تضم دول العالم منذ قرنين، بحيث أن يكون لدولها الأعضاء الحق في معاقبة أية دولة تعتدي على دولة أخرى.

غير ان فكرة نظام الأمن الجماعي تأسست على نقطة محورية تتمثل في عدم السماح بالإخلال بالوضع القائم في النظام الدولي بطريقة غير مشروعة. وفعلا فقد تبلورت صورتها من خلال عدة صيغ لتنظيم المجتمع الدولي في أعقاب الحروب الأوروبية بدءاً من معاهدة "وستفاليا" العام 1648، التي وضعت القواعد والأسس لتحقيق الأمن للدول الأعضاء في المجتمع الدولي على أساس جماعي، وثم ما لبثت أن نزعت العلاقات الدولية نحو التعاون بدلاً من الهيمنة ومروراً بمعاهدة "أوتراخت" العام 1713، وصولاً إلى معاهدة "فيينا" العام 1815، ليطفو على السطح مفهوم الأمن الجماعي منذ بدايات القرن العشرين، ليصبح عنصرا مفصليا في منظومة العلاقات الدولية.

ومن 1919 إلى 1945 انشئت عصبة الأمم إلا أنها فشلت في مهامها لا سيما بعد قيام الحرب العالمية الثانية. الا ان دول الحلفاء الفائزين بالحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة قاموا بتأسيس منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 بحيث تتألف من ستة اجهزة رئيسية هي الجمعية العمومية – مجلس الامن - المجلس الاقتصادي الاجتماعي – مجلس الوصاية - محكمة العدل الدولية - والامانة العامة.

على أي حال كان التذمر ينطلق من خلال التركيبة الإدارية والتنظيمية لأجهزتها، وأبرز مثال على ذلك نظام الفيتو الذي يتعارض مع نص صريح في ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص صراحة على "مبدأ المساواة بين الأعضاء"، فضلا عن نظام التصويت في صندوق النقد الدولي، ناهيك عن عدم التوفيق في اختيار مبعوثيها لإدارة الازمات والقضايا العالمية والتي تأثرت بالمحسوبية والولاءات وأخيرا تعطيل بعض القرارات الصادرة عن مجلس الأمن لتأثره بموازين القوى ومفاعيلها.

ولم يعد مدهشا تساؤل المتابعين ازاء جدوى نظام الأمن الجماعي طالما أن فعالية الأمم المتحدة باتت مرهونة بإرادة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذين ما فتئوا يستخدمونها كأداة صراع، ما يعني أن القواعد المرجعية التي يستند إليها مجلس الأمن تفتقر إلى الوضوح، فأصبحت تخضع آلياته لتفسيرات متباينة وفق مصلحة كل دولة.

ومع أن الإصلاح مطلب قديم – جديد منذ وخلال وبعد نهاية الحرب الباردة رغم أن الأمم المتحدة لعبت خلال تلك الفترة دورا بارزا في قضيتين عالميتين آنذاك وهما: إنهاء الاستعمار وقضية التنمية، إلا أن الأزمة استمرت مروراً بالغزو الأميركي للعراق، ووصولاً لازمة سورية واليمن ما يدفعنا للتساؤل عن جدية إمكانية إصلاح الأمم المتحدة أصلا؟

ويبدو انه لا يوجد في الأفق بديل أو موازٍ لذلك التكتل لاسيما في حضور هيمنة أميركية وإن كان هناك بوادر لإعادة بوصلة التوازن في فرض السياسات والعلاقات الدولية، وإن كانت لم تنضج بعد، فروسيا والصين تحاولان تثبيت أقدامهما وبالتالي مواجهة الولايات المتحدة انطلاقاً من مصالحهما، إلا أن ذلك للأسف يأتي على حساب انتهاكات حقوق الإنسان.

صفوة القول: إن مستقبل إصلاح الأمم المتحدة بات ضرورة وليس ترفا ما يعني أهمية إعادة النظر في هيكليتها وآلية عملها واختيار مبعوثيها على نحو يتواءم مع معطيات الواقع العالمي الجديد، فهل تشرع الأمم المتحدة بجمعيتها العمومية في أخذ المبادرة لإنقاذ سمعتها؟

* نقلاً عن صحيفة "الرياض"