وهم الأمة المدمر

إذا لم تضللني الذاكرة قرأت مرة أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر قال عندما سئل عن القضية الفلسطينية (لم يفتح معي هذا الموضوع أي من الزعماء العرب الذين التقيت بهم).

لكي نتأمل في مثل هذا القول سواء أكان صحيحا أم مغالطا علينا أن ننظر إلى كتابات المحللين السياسيين العرب.

تنطلق معظم الكتابات العربية كما هي دائما إلى تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى أربع كتل هي إيران تركيا العرب وإسرائيل. تقسيم مريح وسهل ومتعود عليه ولكنه لم يُختبر بشكل جدي. لا أحد يريد أن يضعه موضع التطبيق العملي حتى الآن. عندما نتحدث عن تركيا نتحدث عن زعيم واحد اسمه أردوغان وعن عاصمة سياسية واحدة هي انقرة، وعندما نتحدث عن ايران نتحدث عن روحاني وعن طهران وعندما نتحدث عن إسرائيل نتحدث عن نتنياهو وعن القدس. ولكن عندما نتحدث عن العرب فنحن نتحدث عن كتلة بشرية تتحدث لغة واحدة وتشترك في تاريخ واحد ما عدا ذلك فكل شيء مختلف.

في أكثر كتاباتنا السياسية يتملكنا وهمان الأول وهم اسمه (الأمة العربية) والثاني وهم اسمه (الأمة الإسلامية). نتحدث عن هذين الوهمين ونتعامل معهما كأنهما حقيقة ماثلة تعمل وتنتج. نضعهما كشيء فاعل ومعادل للأمم الأخرى. كقولنا الهنود أو الأمريكان أو الصينيين أو الاتراك.

لاحظ أن معظم التحليلات التي شرحت الاتفاق الإيراني - الغربي نظرت إليه على أساس أن هذا الاتفاق قد يفيد أو قد يضر العرب. لم يسأل أي من المحللين نفسه من يقصد بالعرب؟

إذا فككنا الكلمة إلى أصغر منظومة لها وأكثرها تماسكا وقربا وهو ما يعرف بمجلس التعاون الخليجي. ترى ما حجم الاتفاق داخل هذه المنظومة على الاتفاق الغربي - الإيراني. لا احتاج أن أقول متفاوت وكلّ له طريقته في التعامل معه. ما يهمني هنا هو الوهم الذي يحتاجه المحلل السياسي السعودي تحديدا والعربي عامة. حقيقة الأمر هذا الوهم اوقعنا فيه كثير من الكتاب العرب العابرين للدولة الاقليمية والمتربحين من الأموال العربية الأخرى. فالكاتب اللبناني أو المصري أو الكويتي مثلا ما الذي يمكن أن يقوله لإرضاء المحرر في جريدة سعودية أو اماراتية سوى أن يقفز إلى وهم الأمة العربية أو الوهم الاضخم (الأمة الإسلامية) ثم ينطلق في تحليل الموقف وكأن هناك شيئا اسمه أمة عربية ستتضرر أو ستربح بشكل متساو من هذا الاتفاق أو الاتفاق الآخر.

يعرف الجميع أن كل دولة عربية تملك قرارها الداخلي بالكامل وليس لأي دولة عربية أخرى أي تأثير على هذا القرار الأمر الذي يعني أننا أمام أمم مختلفة، فإذا كان هناك موقف تركي وموقف إسرائيلي وموقف إيراني تختلق الكتابات العربية بالمقابل شيئا اسمه موقف عربي ونحن نعلم أنه لا يوجد شيء اسمه الموقف العربي وإنما لدينا مواقف بعدد الدول العربية.

في الواقع هذا الخلط بين دول عربية وأمة عربية هو الذي اوصلنا إلى ما وصلنا إليه. اصبحت الكلمات الكبيرة والأوهام كأحلام اليقظة في ثقافتنا. عندما نجد صعوبة في حل معضلة محلية نحيلها إلى خزان الأماني لتذوب هناك بدلا من مجابهتها والتصدي لها.

إذا عدنا إلى قول الرئيس الأمريكي سنرى أن الواقع يؤيده. ضاعت القضية الفلسطينية لغياب الوكيل المتحدث باسمها. لا أحد معني بها. وكيلها الوحيد هو ذلك الوهم المنتج على الورق والمنابر الذي نسميه الأمة العربية.

نقلاً عن صحيفة " الرياض"